وصل إلى حيلان (١)، وهي قرية من قرى حلب، وقد أحاط بحلب "إحاطة السوار بالمعصم".
فلما كان يوم السبت حادي عشر ربيع الأول من السنة المذكورة برزوا إليه عساكر حلب، ومن اجتمع من عساكر النواب وغيرها، فزحف عليهم عسكر تمرلنك، وقد بهر الأبصار، وسد الأفاق، فما كان غير ساعة حتى دهمتهم خلق كأمواج البحر المتلاطمة، ومالت عليهم كتائب الجنود المتلاحمة، فولوا عساكر حلب على أعقابهم مدبرين، وأقبلوا نحو البلد منهزمين، وقد أحالت الحوافر أجساد العامة، وحل بها من البؤس كل داهية طامة.
وكان قد احتمى بالمساجد والمزارات الجم الخفير (٢) من النساء المخدرات، والكواعب الناهدات، فمالوا نحوهم وقرنوهم في الحبال، وأسرفوا في قتل الأطفال، ونهبت الأموال، وقد افتضت (٣) الأبكار، وحارت الأفكار، فلا يرثى لبكاء الرضع، ولا ترعى المساجد لحرمة الركع، حتى لقد صارت المساجد كالمجزرة، لشنيع ما طرح فيها من القتلى (٤)، ومثل الحانات لكثرت ما يزفى فيها بين الملأ، واستمر هذا القبح المستبشع، والخطب المستشتع، من يوم السبت إلى الثلاثاء، هذا والنواب كلها قد اجتمعوا واحتموا بالقلعة، وصار العدو يحرق في المدينة، وينهب، ويقتل، وقد أسرفوا في ذلك.
فلما رأى دمرداش نائب حلب عين الغلب، نزل من القلعة في طائفة من الأمراء والنواب، يطلبون من تمرلنك الأمان، فأجابهم إلى ذلك، وأخلع عليهم أقبية مخمل وتيجان كعادتهم، وأرسل معهم جماعة من أمرائه فاستنزلوا من كان بالقلعة من الأمراء والنواب، وهم في قيود، وجعلوا كل اثنين في قيد، وجمعوا نساء المدينة، والأموال، وأحضرها بين يديه، ففرقها على عسكره، وأقام على حلب نحو شهر، وعسكره في نهب القرى التي بالقرب من حلب،
(١) كانت في القديم قرية تقع إلى الشمال من مدينة حلب، تتبع ناحية جبل سمعان بمحافظة حلب، وتبعد عن حلب مسافة ٨ كم، وطالها التوسع فأصبحت اليوم من أحياء حلب. (المعجم الجغرافي للقطر العربي السوري ٣/ ١٩١؛ أحياء حلب وأسواقها ١٨٤). (٢) كذا في الأصل. (٣) في الأصل "اقتضت". (٤) في الأصل "القتلا".