٨ - ومنها رحمة الله بهذه الأمة حيث جعل النهي عن المنكر على مراتب حسب قدرة المرء واستطاعته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»(١).
قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لما وضعت قريش سلى الجزور على ظهر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ساجد عند الكعبة لو كانت لي منعة طرحته (٢)، فلم ينقص ذلك من قدره ولا مكانته؛ بل إن النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما ضحك الصحابة من دقة ساقيه قال:«وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ»(٣).
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله ابن مسعود - رضي الله عنه -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ، إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَيُّكُمْ يَجِيءُ بِسَلَى جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، فَنَظَرَ حَتَّى سَجَدَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئًا، لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ وَيُحِيلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -
(١). صحيح مسلم برقم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -. (٢) صحيح البخاري برقم (٢٤٣٩)، وصحيح مسلم برقم (١٧٩٤). (٣). مسند الإمام أحمد (٧/ ٩٩) برقم (٣٩٩١) من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه -، وقال محققوه: صحيح لغيره.