ولذلك لا يكون لأحد أنْ يأتي بعسيب فيغرسه على قبر؛ لأنّه لم يُكشف له أن هذا الميِّت يُعذَّب، بخلاف النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الّذي كُشِفَ له، فالاطّلاع على عذاب القبر من الغيب الَّذي لا يظهره الله تعالى إلَّا على رسول: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ... (٢٧)} [الجنّ]، فَفِعْل ذلك يفهم منه أنَّه يعذب في قبره، وهذا فيه ادِّعاء بمعرفة الغيب، واتِّهام لصاحب القبر أنَّه يعذَّب، ثمّ إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يداوم على فعل ذلك، ولم يجعله على كلِّ قبر، ولم يتابعه أحد من الصّحابة? .
ومن العلماء من يرى جواز وضع الجريد، وأنّ الحديث عَلَى عُمُومِهِ، واستدلّوا بالأثر عند البخاريّ وَأَوْصَى بُرَيْدَةُ الأَسْلَمِيُّ:«أَنْ يُجْعَلَ فِي قَبْرِهِ جَرِيدَانِ»(٢). ولا حجّة فيه؛ لأنّه رأي، ولا نعلم أحدًا من الصحابة - رضي الله عنهم - وافقه، ولذلك فإنّ البخاري -رحمه الله- عقَّبه قول ابن عمر - رضي الله عنهما -: «انْزِعْهُ يَا غُلامُ، فَإِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ» وذلك لمّا رأى فُسْطَاطًا عَلَى قَبْرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. فكأنّه يرى أنّ ما ينتفع به الميّت عمله الصّالح. ويدلّك على رجحان المنع أنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وضع الجريد بسبب أنّهما يعذبان، وهذا السّبب مجهول بِالنِّسْبَةِ إِلَيْنَا ولا يمكن معرفته، فمن أراد أن يحمل الحديث على العموم، يلزمه أن يفعل ذلك لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.