ولمّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَتْ فَاطِمَةُ -عليها السلام-: "وَا كَرْبَ أَبَاهُ، فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ"(١)، ولم ينكر عليها ذلك.
فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ:"يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهْ، مَنْ جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ، مَأْوَاهْ يَا أَبَتَاهْ إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ، فَلَمَّا دُفِنَ، قَالَتْ فَاطِمَةُ -عليها السلام-: يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - التُّرَابَ؟ ! "(٢)،
وقَالَ أنس - رضي الله عنه -: "مَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - الْأَيْدِي حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا"(٣).
فإظهار الحزن والأسى والأسف على المصيبة جائز إذا لم يخرج عن معنى الرِّضا ويدخل في معنى السَّخط، وهذا نبيّ كريم يعقوب - عليه السلام -، يقول: {يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ ... (٨٤)} ... [يوسف].
والبكاء لا يضرُّ ما دام القلب راضيًا، بل إسبال الدَّمع يردُّ وطأة الأحزان، والدُّموع على الشّجو والأشجان أعوان، والدّموع الهوامع رحمة، لكن هناك صفة للبكاء يُعَذَّب عليها، وهي أن يقول العبد مَا لَا يُرْضِي الرَّبَّ، قال - صلى الله عليه وسلم -: " أَلا تَسْمَعُونَ إِنَّ الله لا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلا بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا ... ـ وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ ـ "(٤).