وهذا يبين للداعية أهمية انتهاز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات؛ قال الإِمام عبد الله بن أبي جمرة رحمه الله في فوائد حديث معاذ رضي الله عنه:" فيه في دليل على جواز الحث في العمل في الطريق على الدواب، هذا بشرط أن يكون الطريق ليس فيه اللغط الكثير؛ لأنه قلَّ أن يأتي التعلم مع كثرة اللغط "(١).
فينبغي للداعية أن ينتهز الفرص أثناء ركوبه على وسائل المواصلات: كالسيارات، والطائرات، والقطارات، والسفن البحرية وغيرها، فينشر الدعوة، ويعلم الخير، إلا إذا منع من ذلك مانع، أو عارض ذلك مصلحة شرعية، أو خشي الداعية حصول مفسدة، أو تعطل مصلحة أعظم. . . والداعية الحكيم هو الذي يضع دعوته في موضعها المناسب. والله المستعان.
ثالثا: من أساليب الدعوة: استفسار الداعية المدعو ليختبر ما عنده: دل هذا الحديث على أن من أساليب الدعوة طرح الداعية الأسئلة على المدعوين؛ ليختبر ما عندهم من العلم؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه:«يا معاذ هل تدري حق الله على عباده؟ وما حق العباد على الله؟».
وقد بيَّن الحافظ ابن حجر رحمه الله: أن في هذا الحديث من الفوائد " استفسار الشيخ تلميذه؛ ليختبر ما عنده، ويبيِّن له ما يشكل عليه منه "(٢) ومما يؤكد أهمية هذا الأسلوب أن البخاري رحمه الله قال في أول كتاب العلم: " باب طرح الإِمام المسألة على أصحابه؛ ليختبر ما عندهم من العلم " ثم ساق تحته حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وإنها مَثَل المسلم، حدثوني ما هي؟ " قال فوقع الناس في شجر البوادي. قال عبد الله: فوقع في نفسي أنها النخلة. ثم قالوا: حدثنا ما هي يا رسول الله؟ قال: " هي النخلة» (٣) وهذا يبيِّن للداعية أهمية هذا الأسلوب في الدعوة إلى الله عز وجل.
(١) بهجة النفوس، ٣/ ١٢١. (٢) فتح الباري بشرح صحيح البخاري، ١١/ ٣٤٠، وانظر: بهجة النفوس، لعبد الله بن أبي جمرة ٣/ ١١٩ و ٤/ ١٤٣. (٣) متفق عليه: البخاري، كتاب العلم، باب طرح الإمام المسألة على أصحابه ليختبر ما عندهم من العلم، ١/ ٢٦ برقم ٦٢، ومسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب مثل المؤمن مثل النخلة، ٤/ ٢١٦٤، برقم ٢٨١١.