للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أجمل ترتيب ونظر، وبات المسلمون على أتم تيقظ وحذر، فلما كان يوم الجمعة عاشر ذي القعدة تتابع الخبر بعد الخبر، بان القوم قد قربوا، وأنهم ثابوا ووثبوا، ووصي السلطان جنوده في التثبت على ما يجب، وأراهم من نور رأيه ما لا يحتجب.

وطلعت العساكر من جبال مشرفة على صخرات منا من بلد ابلستين، وكان العدو ليلته تلك بائتًا على نهر زمان، وهو أصل نهر جهان، وأصل اسمه جيحان، فترتب المغل أحد عشر طلبًا (١) كل طلب يزيد على ألف فارس، وعزلوا عسكر الروم خيفةً منهم، وجعلوا عسكر الكرج (٢) طلبًا واحدًا بمفرده، ولما شاهدوا صناجق السلطان ومن حولها وعليهم الخوذ الصفر المقترحة، وكأنها في شعاع الشمس نيران مقتدحة، رجعوا إلى ما كانوا عقدوا من العزائم فحلوا وسقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا، وانصبت الخيل إليهم من أعلى الجبل انصباب السيل، وبطلت الحيلة منهم وبقي الحيل، فشمروا عن السواعد، ووقفوا وقفة الرجل الواحد، وكان هؤلاء المغل قد اختارهم ابغا من كل ألف مائة ومن كل مائة عشرة ومن كل عشرة واحدًا لأجل هذا اليوم، وكان فيهم من المقدمين الكبار تداون وتقو وإليه أمر بلاد الروم وارختو أخو تداون ونمادر يخشى ومن أمراء الألوف زيرك وصهر ابنا وقرلق واخلدت من المغل فرقة إلى الأرض فقاتلت وعاجت على نفوسهم وعاجلت، وجاء الموت العدو من كل مكان، وأصبح ما هان منهم وقد هان، وكم فيه من شهم ما سلم قوسه حتى لم يبق في كنانته سهم، وذي سنّ طارح فما طارحه حتى تثلم وذي سيف حادثه بالصقال فما جلا محادثته حتى كلم، واشتدت فرقة من العدو من جهة الميسرة، معرجين على الصناجق السلطانية [من الوافر]

فلزهم الطراد إلى قتال … أحد سلاحهم فيه الفرار

وثاب السلطان إليهم ووثب عليهم، فضحى منهم بكل أشمط، وأقرى سباع الوحش والطير فأفرط، ولحق من قصد التحصن في الجبال فأخذهم في كل رابية


(١) الطلب: فرقة مقاتلة.
(٢) الكرج: جيل من النصارى كانوا يسكنون في جبال القبق وبلاد السرير، ثم قويت شوكتهم، وملكوا مدينة تفليس، ولهم ولاية تنسب لهم وملك ولغة وشوكة وعدد «ياقوت الحموي ٤/ ٤٤٦، صبح الاعشي ١/ ٣٦٩»، وهي الآن دولة جورجيا.

<<  <  ج: ص:  >  >>