للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

تلقح الحرب الحيال لا ترضى إلا بصيد المهج، ولا يقضى يوم إلا بقتيل لها لا إثم فيه ولا حرج، كأنما كونوا من جناح غراب أو صهوة، أو خلقوا لمطلية بقار أو أدهم. لا تفرغ لهم شمال ولا يمين. هذه بعنان جواد، وهذه بقلع سفين. ولمهابتهم في قلوب ملوك بني الأصفر ما يختلج به ضمائرهم ويختلف إلا في الإجماع عليه سرائرهم. وإذا قيل: إنه قد تحرك منهم متحرك ظنّت أنه يريد نفوسها وشكت في حياتها حتى تلمس رؤوسها بيديها وملك هذه البلاد أثابه الله تعالى، وجنوده أجمعون على هذه العزيمة لا يفلّ حدها ولا حديدها، ولا يكف والدها ولا وليدها، وهم سبب كثرة السبي، ومن يجلب إلى الآفاق من أولاد الروم ونسائهم، فأمدهم الله بالظفر، وأعلى كلمتهم على من كفر. وهذه البلاد درهمها ومدها نحو مملكة صاروخان، فأما رطلها فستة عشر رطلًا بالمصري وأسعارها رخية وثمارها مما يحمل البحر وتنبت الأرض سخية.

[الفصل الثالث عشر: في مملكة فوكه]

وهي تاسعة النطاق الثاني وصاحبها أورخان بن منتشا (١)، وكرسيه مدينة (٢) فوكه وموقعها شمالي توازا، وفي شمالي مشاريقها جزيرة دفنوسة وقبالة هذه البلاد جزيرة المصطكي تقع وراء بلاده سواء بسواء، ولهذا صاحب فوكه نحو خمسين مدينة (٣) ومائتي قلعة وحصن، وعساكره مائة ألف أو يزيدون وله سيف لا يألف غمده ولا يكف حده، يقاتل من عاداه برًا وبحرًا، ويخاتل من ناواه مسلمًا كان أو كافرًا، يركب السفن والخيل، ويخوض النهار والليل لا يطمئن به وساد ولا يستكن له مفرش جهاد، ولا يزال له ولأعدائه وقائع تشيب مفرق الوليد، وتذيب قلب الحديد، ويبيت الدهر منها على وعد أو وعيد يبث سراياه في كل صوب، ويحث مطاياه في البر والبحر في كل توجه وأوب. فما رأت الكفار خيله إلا طفقت تتنهد ولا أقبلت طلائعه على سفائنها إلا ورفعت سبابات صواديها تتشهد. وهذه العساكر ميمونة النقيبة سعيدة الحركات قل أن توجهت إلى جهة إلا وظفرت بمرادها وبلغت قصدها من أعدائها. وهذا هو المعروف منهم والمستفاض حديثه عنهم لا


(١) في رحلة ابن بطوطة ١٩٤ انه حاكم مبلاس وليس فوكه.
(٢) فوجة: مدينة للكفار على ساحل البحر على مسيرة يوم من مغنيسة، أهلها يبعثون هدية في كل سنة إلى سلطان مغنيسة. رحلة ابن بطوطة ٢٠٦.
(٣) منها: معلا بالاط، ومبلاس، ومكرى، ومرموس. «معجم الأنساب ٢٣٠».

<<  <  ج: ص:  >  >>