وهي ثانية عشر النطاق الثاني، وصاحبها ابن قرمان، وكرسي مملكته أرمناك، وله نحو اربع عشرة مدينة ومائة وخمسين قلعة، وعسكره يناهز خمسة وعشرين ألف فارس ومثليهم رجالة، ومن مشاهير مدنه مدينة ارنده (١) وهي مدينة جليلة، ومدينة العلائية وهي المسماة بالعلايا (٢) عند العوام. وموقع هذه البلاد شرقي بلاد الأرمن بشمال وبلاد ابن شرف جنوبها، وأقرب مدن الأرمن إليها طرسوس وأذنة. وهذه البلاد على ضفة البحر الملح وقد تقدم ذكر أهل هذه المملكة وما هم عليه موالاتهم لسلطاننا صاحب مصر خلد الله ملكه وميلهم إليه وما هم عليه من الجهاد في الأرمن، ومن ساكنهم من الكفار، وتجريد سيوف غزوهم آناء الليل والنهار، وبهذا تم ذكر ممالك الأتراك وما هي عليه على ما بلغنا، وتبين لنا، وقد أوضحنا طرق الروايتين على ما فيهما من الخلاف وعلى أنني اجتهدت والعهدة على الناقل.
ونحن تذكر تتمة ما كنا أشرنا إليه من أحوال الروم عند غلبة التتار ودخول طوائفها هاتيك الديار، فنقول:
إنه لما استقلت قدم التتار فيها واستنهلت غمائم كتائبهم على جهاتها، بقي ملوك آل سلجوق معهم بالاسم لا غير لا لهم حكم ولا تصرف، بل لهم ما يقيم بهم وبيوتهم وشعار ملكهم الظاهر ونفقاتهم اللازمة والأمر كله النواب التتار وعنهم الإيراد والإصدار، وباسم الملوك الجنكزخانية يخطب، وتضرب سكة الدرهم والدينار، فلما ضعفت الدولة السلجوقية وآذنت أيامها بذهاب تلك البقية وكانت المغل لا تقدر على صعود تلك الجبال ولا تعرف الحصار ومطاولة المعاقل والقلاع، فغلبت طوائف الأتراك هنالك على كثير من تلك الممالك ولولا قوة شوكة التتار وسطواتها التي عمت الأقطار لاستولت على السهول مع الجبال، وأخذت بجنباتها من كل مكان مع أنها ملكت معظم البلاد إلا بقية حفظت المغل مطالع أفقها، وأمسكت آخر رمقها، ودارت إذ ذاك طوائف الأتراك ملوك المغل على ما غلبت عليه، وبقي كل منهم يدخل في طاعتهم على أنه يسلم إليه ولا يخرج شيء من يديه
(١) مدينة اللارنده: مدينة حسنة كثيرة المياه والبساتين سلطانها بدر الدين بن قرجان. «رحلة ابن بطوطة ١٩٦، معجم الأنساب ٢٣٦». (٢) العلايا: أول بلاد الروم، من أحسن المدن وأجمل الناس، حاكمها يوسف بن قرمان. «رحلة ابن بطوطة ٨٨».