للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

واستمرت أحوالهم معهم على الطاعة والعصيان والتذكار والنسيان حتى تمادت المدد، وخر رواق الدولة المغولية أو وهى منه بعض العمد فحينئذ ثبتت أقدامهم ونبتت في مغارس الاستمرار أيامهم. ومنذ غلبوا على ما بأيديهم من الروم لصاحب كرمينان عليهم مزيد الفضل كما ذكرنا وكل واحد من هؤلاء الأتراك مستقل بمكانه مشتغل بشأنه. وتبسطوا في جهاد من جاورهم من الكفار وصار هذا ديدنهم وبقي بينهم من التنافس ما يكون بين النظراء ولهذا كاتبوا عظماء الملوك ليتقووا بمظاهرتهم ويطيروا بريح سعادتهم وأكثرهم كاتبوا سلاطيننا ملوك مصر رحم الله من مضى منهم وحفظ من بقي وأدام حياة سلطاننا مالك ملوك الأرض صاحب الدولة الملكية الناصرية، وخلد سلطانه خلود الليالي والأيام، ولاذوا بهذه الأبواب العزيزة وتطبعوا بالميل إلى هذه الدولة القاهرة حتى صارت الموالاة في طباعهم كالغريزة، فاتخذوا ملوك مصر نصرهم الله لهم ظهرًا وعدوهم للحوادث ذخرًا حتى إن منهم من رغب في تقليد يكتب له بالنيابة فيما هو فيه، فكتب إليه وجهز إليه بالصناجق والألوية والأعلام والتشاريف التمام والسيف المحلى والحصان المركوب بالسرج الذهب والعدة الكاملة والجنائب الطائلة وما منهم إلا من تدخل وترامى واقترح مرامًا، والإنعامات تغمرهم والصدقات الشاملة تعمهم وهم إلى يومنا هذا أهل ودّ وصفاء وحسن عهد ووفاء. ولكثرة ما خلطهم به الامتزاج وصل منهم من اتخذ مصر والشام دارًا وأخذ بهما الأمرة والإقطاع وجرى فيهما تحت الأمر المطاع ورسلهم حتى الآن لا تنقطع بصدق نيّة وإخلاص طوية، والمكاتبات واردة وصادرة والهدايا مقيمة وسائرة، ومع هذا كله كل واحد منهم غني بما آتاه الله من فضله وأمراء الأتراك على ما هم عليه من الامتناع والتحصن بشوامخ الجبال والقلاع، وبعدهم عن المغل، وقوتهم بكثرة العديد والعدد والسلاح، ووفور ذات اليد تدارى ملوك بيت جنكزخان، وتخدم ملوكهم ومن يصل منهم ويتردد من جهتهم وتهاديهم وتعتضد بالمقربين إليهم لكل واحد منهم في الأردو من هو من ورائه ومتكفل بالمدافعة عنه، ويخطب في بلادهم للقائم من بيت هولاكو، وتضرب السكة بأسمائهم ولنائب الروم عليهم الطاف وتحف يتاقونه بها ويتوقون من خلفه من قانات المغل بالأخذ بخاطر نائبهم هذا؛ لأنه جارهم المجاور لهم وهم رهن ما يكتب به إلى الأردو في حقهم. ولما كان تمرتاش بن جوبان قد استقل بهذه النيابة، ورست فيها أعلامه، وفتح الفتوحات وأباد

<<  <  ج: ص:  >  >>