حصينة بما أحاط بها من الجبال وشمخ من ذوائبها التي سما بها فرع إلى النجم لا ينال.
* * *
[الفصل الثاني: في مملكة طغرلو]
وهي أول النطاق الأول وهذه المملكة صاحبها اسمه يلنج (١)، ويشقها نهر مندروس وهي إلى جانب جبل القسيس في غربه بشمال وموقعها جنوبي ما بين مرمر إلى بركى ومدينة طغرلو كرسيه، وكأنها دمشق في تصوير خطه وبساتين حولها مختطة لكنها أكثر من دمشق ماء وفاكهة، وأوسع غوطة لكن ليس لصاحبها مدينة سواها ولا عمل إلا إياها إلا أن لها عدة قرى وضياع ليست بكثيرة ولا كثيرة ازدراع. وأكثر ما فيها من الفاكهة الرمان وهو على عدة ألوان ويباع ألف بدرهم وكله بلا عجم له مكسر كأنه شرار نار أو بهرمان أدرج في ثوب نضار، أو مدامع عشاق في نهود أبكار، وهو في غاية الكثرة والرخص ولذاذة المأكل، ويعتصر ماؤه ويعمل منه دبس إذا ترك هو والعسل أبهم الفرق ما بينهما، وأشكل، ويعمل منه شراب أشد إسكارًا من الخمر وأقرب إليه مشابهة مما يعمل من التمر وهم أكثر معاطاةً له من الخمر على كثرته عندهم وما ذاك إلا لأمر. سألت بلبان عن السبب في هذا مع إجماع العقلاء على تفضيل الخمر على كل مسكر، فقال: إنه لا يعلم السبب، ولا يوجب الحب لها إلا مضاحكة الحبب. قال: وأهل هذه البلاد كأنما خلقوا لارتضاع كؤوس، ولإماطة نقب عن شموس فما لهم غير اغتباق كأس من معين، واعتناق مائس من قدود الخرد العين، فهم أبدًا في بلهنية من الوطر، وأمنية مع الظفر ولأميرهم عليهم عدل لا يشكون معه إلا جور الساقي ولا يخافون معه إلا عقرب صدغ أعجزت الراقي، أو دم عاشق يطل، وعلى خدود الغانيات الباقي، قال: وأكثر ما تكون القرى والضياع بطغرلو أربعمائة قرية كلها في حواضرها القريبة، ولصاحبها نحو عشرة آلاف فارس وراجل ودرهمهم نصف درهم فضة خالصة ورطلهم نحو سبعة أرطال بالمصري، ومدهم نحو نصف وربع اردب وأسعارها مشابهة لكرمينان ومقاربة لها في اختلاف كل أوان.
(١) هو شجاع الدين تنج بك علي بك، حكم سنة ٧٣٥ هـ «معجم الأنساب ٢٢٩».