ومررنا على دلوك وهي رسوم باكية على سكانها، ضاحكة عن تبسم أزهارها، وقهقة غدرانها، ذات بروج مشيدة، وأركان موطدة، ونيران تزاويق موقدة، في عمد من كنائسها ممددة، وسرنا إلى مرج الديباج نتعادى، وذلك في ليلة مدلهمة ذات أندية، وإن لم تكن من جمادى، لا يثبت تربها تحت قدم المار، وكأنما سالكها يمشي على شفا جرف هار (١).
وبتنا نستخف بالنسبة إليها ليلة الملسوع، وتتمنى العين فيها هجمة هجوع، وأخذنا في اختراق غابات أشجار تخفي الرفيق عن رفيقه، وتشغله عن اقتفاء طريقه، حولها معاثر أحجار كأنها قبور بعثرت أو جبال تفطرت بينها مخائض، لا بل مغائض، كأنها بحار فجرت (٢)، ما خرجنا منها إلا إلى جبال قد تمنطقت بالجداول، وتعممت بالثلوج، وعميت مسالكها فلا أحد إلا وهو قائل: ﴿فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سبيل﴾ (٣) أو إلى سبيل من خروج، تضيق مناهجها بمشي الواحد، وتلتف شجراتها التفاف الأكمام على الساعد ذات أوعار زلقة، وصدور شرقه وأودية بالمزدحمين مختنقة، حتى وصلنا إلى الحدث الحمراء، المسماة الآن بكينوك، ومعناها المحترقة كان قسطنطين والد صاحب سيس (٤) قد أخذها من أصحاب الروم وأحرقها وتملكها، وعم بها الضرر لبلاد الإسلام، ثم سير السلطان إليها عساكرًا من حلب، فافتتحها بالسيف، وقتل كل من كان بها من الرجال وسبي الحريم والذرية وخربت من ذلك الحين، وما بقي بها من يكاد يبين وشاهدنا منها ما بناه سيف الدولة بن حمدان (٥): [من الطويل]
(١) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ «سورة التوبة: الآية ١٠٩». (٢) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (٣)﴾ «سورة الانفطار: الآية ٣». (٣) سورة غافر: الآية ١١. (٤) سيس: هي سيواس من بلاد ملك العراق، سنة العمارة، واسعة الشوارع على حدود الروم «رحلة ابن بطوطة ١٩٧». (٥) علي بن عبد الله بن حمدان التغلبي الربعي أبو الحسن سيف الدولة الحمداني: الأمير، صاحب المتنبي وممدوحه. يقال: لم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع بباب سيف الدولة من شيوخ العلم ونجوم الدهر! ولد في ميافارقين (بديار بكر) سنة ٣٠٣ هـ/ ٩١٥ م ونشأ شجاعًا مهذبًا عالي الهمة. وملك واسطًا وما جاورها. ومال إلى الشام فامتلك دمشق. وعاد إلى حلب فملكها سنة ٣٣٣ هـ، وتوفي فيها سنة ٣٥٦ هـ/ ٩٦٧ ٩٦٧ م. ودفن في ميافارقين أخباره ووقائعه مع الروم كثيرة. وكان كثير العطايا، مقربًا لأهل الأدب، يقول الشعر الجيد الرقيق، وقد يُنسب إليه ما ليس له. =