وفي مواضع من البحر سمك جيد، حسن اللون، طيب الرائحة، قليل الزهوكة، وما اصفر واسود من السمك فرديء في أكثر الأمر، وقد يصلح السمك إذا اتخذ بالخل للمحمومين والمحرورين، وينفع أصحاب اليرقان والأكباد الحارة، وأضرّ ما يكون السمك لأصحاب المزاج البارد والمعد البلغمية، فيولد في هؤلاء عند إدامته أمراض في العصب والدماغ، ولذلك ينبغي لمن اضطر منهم إلى إدمانه أن يقليه أو يشويه بدهن الجوز والزيت، وإن يأكله بالفلفل السحيق، ويأخذ عليه الزنجبيل المربى، ويشرب عليه الشراب الصرف القوي، ويصابر العطش ما أمكن، فإنّ السمك طريه ومالحه يعطش، وإن يشرب عليه من الماء ما يمدد المعدة ويشتاق إلى القيء بادر إلى القيء، على أن الأجود أن لا يؤكل السمك إلا يوم يعزم فيه على القيء، ومن أكل منه ولم يتفق له القيء، فليشرب بعده دواء مسهلًا ليخرج من البدن ما يولده من البلغم اللزج والزجاجي الذي يكون سببًا للقولنج الصعب والفالج والسكتة، والعسل أيضًا مما يصلحه إذا أخذ عليه، ويجلو بلاغمه، ويغير مزاجه لا سيما إن كان مع شيء من الأفاويه، إلا أنه من قبل أن يزيد في العطش ويسرع إليه، والمكبب من السمك على الجمر أخف على المعدة من المقلو في الدهن، ولا سيما الهاري والصغار منه، وأما [إذا] لوث بالدقيق وقلي بالدهن فَوَحِمٌ جِدًا كثير الإعطاش، بطيء النزول، والمالح منه لا يخلو من توليد البلاغم الزجاجية، لكن أسرع ما يتولد عنه البلاغم المالحة التي تكون سبب الجرب المقشر والقوابي البيض، ويفسد المزاج، ويؤدي إلى الإستسقاء؛ لأنه لا يدر البول، بل يسد مجاريه ومجاري الكبد، ويدعو إلى كثرة شرب الماء، إلا أنه أقل توليدًا للنفخ، فمن لم يعتده ويكثر منه لحقه ذلك، وأما من اعتاده فربّما جفف البطن تجفيفًا شديدًا، ويصلح السمك المالح مرة بالخل إذا أكل معه أو مُقِرَ به، فيقل توليده للعطش، ويلطف البلغم المتولد منه، ومرة بأن يلقي بالدهن ويؤكل بعده العسل أو الفانيذ، فيغير الدهن مزاجه القشف الذي اكتسبه بالملح، ويقل إعطاشه، وجودة السمك تكون من قبل غذائه مما يغتذي من حشيش وأصول نبات؛ فلحمه أجود، وما يغتذي من حمأة وأصول رديئة فهو أحسن، وما يغتذي من أقذار المدن وأوساخها فيكون أردأ من جميع السمك، حتى إنه إن مكث بعد إخراجه من الماء ساعة أنتن، وما كان من السمك فيه رطوبة ولزوجة مخاطية، فإنه إذا مُلح أذهب الملح عنه ذلك، والقريب العهد بالملح أفضل. والدم المتولد من جميع السمك أرق وألطف من المتولد عن المواشي، وغذاؤه أسرع تحليلًا. والسمك الصخري سريع الانهضام في غاية الجودة والموافقة وحفظ الصحة. لأنه يولد دمًا متوسط القوام، ويتلوه في الفضل السمك اللجي، والمارماهي يزيد في