يَا سِراجًا أَسْنَى من الشَّمسِ والشَّمْـ … ـسُ سِراجًا قَدْ جَاءَ في القرآن
خُذْهُ كُحْلًا مِثلَ السُّيُوفِ فَرِيدًا … وَصِقالًا يروقُ في الأجفان
حَجَرٌ كَسْرَةٌ أَحَدُّ من الإكـ … ـسيرِ فِعلًا في العين أو في العيانِ
أَلفُ عَينٍ تُقِيمُها حَبَّةٌ مِنْـ … ـهُ قِياسًا يصح بالبرهان
إنْ يُعَظِّمْ مِثالُهُ في حِجاز … كانَ هذا مُعَظَّمًا في أصفهان
فكتب إليهِ السِّراجُ حِينَ تَمَّ لَهُ العافية والابتهاج: [من الخفيف]
أيُّها الفاضِلُ الذي قَصَّرَ الفا … ضِلُ عن صَنعتيه والأصفهاني
والذي تُنشِيءُ الرِّياض على مُهـ … ـرَقهِ هَاطِلاتُ تلك البنان
وَصَلَتْني مِنهنَّ باسِمَةُ الأَزْ … هارِ تَفتر عن شبيب المعاني
تُنْحِفُ الرَّوضَةَ التي أنا فيها … بِأَفَانِين الرَّوْحِ والريحانِ
وَيُضَاهِي مَوارِدَ النِّيلِ منها … كُلُّ صَافٍ من مَاءِ ذاكَ البَنانِ
وَلَدَى قُرْبِها بخفة [ذي] العَيْـ … ـنِ فَلِلَّهِ أَنْتَ مِنْ إنسان
بَانَ لي في فرندِها أَلَقُ الشَّمْـ … ـس الذي قد علا على كَيوَانِ
شَمْسُ فَضْلٍ قد وَافَقَ الشَّرف الأعـ … ــلَى قَرِينًا أَسْعِدْ بِذاكَ القِرانِ
فَأَضَاءَتْ مذاهبي بعد ما ألـ … ـزمني الدَّهْرُ مَوْقِفَ الحَيْرانِ
وَلَقد جِئْتَ قُرَّةً لِعُيونٍ … سَلِمتْ أَنْ تُعَدَّ في العُمْيَانِ
وحُكِيَ: أَنَّهُ حَضَرَ مَجْلِسَ المَلِكِ الصَّالح وحوله من الغلمان الأتراك شَبِيبةٌ، اختلفت قدودُهُمْ، وائتلفت خدودُهُمْ، ونُسْبَتْ إليهمْ ظِباء رامة، ونُسبت إلى لِحاظِهِمْ كُلُّ ظُلامة، وكانَ فيهِمْ مَنْ قَدُّهُ كأَنَّه الرُّمح في التقريب، ومن قِصَرٍ وَهُوَ كَأَنَّهُ الغُصْنُ الرطيب، ومنهما شبابٌ مُعتَدِلُ القَامَةِ، زَادَ عَليهما حُسْنًا وأبى أن يكون رمحًا أو غُصنًا، فقال له الملكُ الصَّالِحُ: أَيُّ الثلاثةِ أَعلقُ بِقَلبكَ، وأليك بحبك:
فقال (١): [من الطويل]
أَيَا سائلي عَنْ قَدْ مَحبوبيَ الذِي … فُتِنتُ بهِ وَجْدًا وَتِهْتُ غَراما
رَأَى قِصَرَ الأَعْصَانِ ثُمَّ رَأَى القَنا … طوالًا فَأَضحَى بَينَ ذاك قواما
وَحُكيَ أَنَّهُ كَانَ بينه وبين الوطواط ما يكون بين الأدباء، ولا يخلو منه دأب بين الأحِبَّاءِ، فَعَرَضَتْ لِلوطواط رَمْدَةٌ تَكدَّرَ بها صَفِيحُهُ، وتَثَنَّى له فيها صريحة، فقيل له: لو
(١) البيتان في شعره المستدرك ٢٧٩ برقم ٤٢.