ملأ العيان، وجَاءَ على فَتْرَةٍ بِمُعْجِزِ البَيان، فَأَطلع الألفاظ غُرَّا، وَأَطْمَعَ كُلَّ أَدِيبٍ قَالَ لَعَلَّ لَهُ عُذْرا، وَظَلَّ يُعَاطِي كُؤوسَ الأَدبِ مُعَاطَاةَ الرَّاحِ، وَيُدافِعُ على عُيُونِه دِفَاعَ الرَّاح، كَلَفَ بِهِ فَكَلفَ ذَوِي الغَرام، وَشُغِفَ بِهِ شَغَفُ الرَّوْضِ بِالغَمَامِ، فَحَاز منه الاقتراح، وَجَاز الغَايَاتِ فَحَطَّ الرق عنه واستراح. وكانَ ذِهْنُهُ يَتَوَقَّدُ الضَّرَامِ، وَجَفْتُهُ يَتجنَّبُ الكَرَى الحَلال تَجنُّبَ الحَرام، وَتَدفَّقَ خَاطِرْهُ بِالمَعَاني التي فَجَّرها وَتَوَقَّدَ بِالنَّارِ التي سَجَرَها، وتَفَنَّنَ بِالفُنُونِ التي ما كانَ لأقلام البُلَغَاءِ أَنْ تُنْبِت شَجَرَها.
وقد حُكي أَنَّهُ كَانَ على قَدَمِهِ الثَّابِتة في الأدب، وتَقَدُّمهِ في فَنْهِ الذي زَمَّ إِليهِ ركائب الطلب، رُبَّما أخطأ الوَزْنَ في مَواضِع وخرج عنه من غير موانع.
وحَكَى السِّراجُ الوَرَّاقُ أَنَّهُ انتَقَدَ عليهِ وَزْنَ الكاملِ فَبَلَغَ ذلك ابن باتكين، فكتب إليه:[من الكامل]
(١) أحمد بن نصر الله بن باتكين القاهري، محيي الدين أبو العباس. ولد في القاهرة بحارة الديلم في ١٠ جمادى الأولى سنة ٦١٤ هـ، سمع «حرز الأماني ووجه التهاني» وهي القصيدة المشهورة بالشاطبية على سديد الدين عيسى بن أبي الحرم إمام جامع الحاكم. ورد في أعيان العصر: «كان شاعرًا قادرًا، ناظمًا في فن الأدب ماهرًا، كتب إلى أدباء عصره، وراجعه شعراء دهره، وكانت تدور بينهم كؤوس الأدب، لا كؤوس الحبب. أنشدني من لفظه العلامة أثير الدين، قال أنشدني بنفسه … » توفي سنة ٧١٠ هـ. ترجمته في: الوافي بالوفيات ٨/ ٢١٤ - ٢١٧ برقم ٣٦٥٢، أعيان العصر ١/ ٤٠٢ - ٤٠٥ برقم ٢١٣، السلوك ١/ ٥٠، الدرر الكامنة ١/ ٣٤٥، المنهل الصافي ٢/ ٢٤٣. (٢) من قطعة قوامها ٥ أبيات في الوافي ٨/ ٢١٥، أعيان العصر ١/ ٤٠٢ - ٤٠٣.