للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابن دانيال؟ فقال: قُطِعَ لَحْمٌ، وكان هناكَ شَابٌ قَدْ جَاءَ يَشكُو على النَّاسِ أَنَّهُمْ أَمْسكُوهُ وفعلوا به القَبِيحَ، فَقالَ ذاكَ الشَّابُ بِاللهِ جئتَ تَشكُو من قطع لَحْمِ؟ فقالَ لَهُ إي والله كَما جِئْتَ تَشكُو من تقطيع تينٍ، فَضَحِكَ الملكُ الصَّالِحُ وكلُّ مَنْ حَضَرَه.

وحَكَى لي أن (حنا) أَخا سَلارٍ كانَ قد حَصَل لَهُ رَمَدٌ شَدِيدٌ فَطَلَبَ سَلَارٌ بنَ دانيال وأَمَرَهُ بِملازمتهِ ومُعالجتهِ، فَلازَمَهُ حتَّى أَفاقَ، وَرَكِبَ ومشى، ولم يُعط ابن دانيال شيئًا، فأتى ابن دانيال إلى مجلس سلارٍ ودَخَلَ على سبيل الاتفاق، فنظر سلارٌ إلى ابن دانيال وقال له: أينَ الخِلْعَةُ؟ قال: أَيُّ خِلْعَةٍ، فقال: أي شيءٍ أعطاك الأميرُ وأَشار إلى أخِيهِ (حنا)، فقال ابن دانيال: [من الوافر]

إذا كان الأمير حنا [ضَنينًا] … فكيف تكون أخوال الحكيم

فَضحِك سلارٌ ومَن حَضَرهُ، ولامَ أَخاهُ، َوقالَ لهُ: مِثلُ هذا ما يُعامَلُ هَذِهِ المعاملة، وأمر له بألفِ دِرْهَمٍ، أَعطيت لابن دانيال.

وحُكِيَ أَنَّ ابن دانيالَ دَخَلَ مَجلِسَ الوزير ابن الخليلي فَجَلَسَ إلى جانب ابنِ المُحبي البغدادي، ثُمّ أخرج من كُمِّهِ مِنديلًا فيهِ قَرْعَةٌ فقدمها لابن البغدادي، فأخذها وشَمَّها، ثُمَّ التفت إلى ابن دانيال وقال: عَثَّرَكَ اللهُ مما جيتها حتى صَلَحْتَ بها عُمَيْرة، فَضَحِكَ مَنْ حَضَرَ، واستحيا ابن دانيال.

وحُكِيَ أَنَّهُ لَمَّا وَلِيَ عَلَمُ الدِّينِ سَنجر الخياط ولاية القاهرة حضر النَّاسُ لِيهنئوه وابن دانيال فيهم، فأُحضِرَتْ خِلْعَتُهُ فَلَبِسها وقامَ يَتَعمِّمُ، وأكثرَ من وَضْعِ أَصابعه على لَفَّاتِ العمامة لإصلاحها وتعديلها فبقي كأَنَّه يُفتِّش على شيء فقال ابن دانيال ..

وَحُكِيَ أَنَّ نَصرانيًا قُطِعَ زُنَّارُهُ في مجلس فيه ابن سعيد، فاقترح العمل في ذلك فقال (١): [من المديد]

قَطعُوا زُنَّارَهُ فَغَدًا … بَعْدَ جمعِ الشَّمْلِ مُفْتَرِقَا (٢)

أَتُراهُ حِينَ بات على خَصْرِهِ … مِنْ رُتْبَةٍ قَلِقَا

سَرَقَ الخَصْرَ الخَفِيَّ فقد … بَاتَ مَقطوعًا بِما سَرَقَا

فلمَّا فُرِّغَتْ هذه الأبياتُ سُمِعَ ابْنُ دانيال، قال (٣): [من الرمل]

حَسَدُوا زُنَّارَهُ في ضَمِّهِ … دَونَهُمْ ما عا [ده] عَنه سنين


(١) من بيتان في المختار من شعره ١٤١ برقم ٩٢.
(٢) الزنار: ما يشدّه النصارى أو المجوس على أوساطهم «القاموس: مادة (زنر)».
(٣) أخل بها شعره.

<<  <  ج: ص:  >  >>