للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الأرض منه على قذى، كان أسوده على وجه الأرض كلف ويؤذي الأبصار، وكم خدّ استدار عليه منه أقبح عذار. كم تجمعت فلد فكانت كظلمات بعضها فوق بعض. ونبتت سامقة فأحسن بها من نهود فوق صدر الأرض، تروع المراعي والمراعي، وتسمع منها لسهام المنيّة معامع بتراكيش الأفاعي من كل صلّ يفترس افتراس الضيغم، وينملس. انملاس الجدول المفعم، وينقض انقضاض الشيهم، ويروع راءيها في المنام، ومن حمها لحم الحمام، وإذا انقبضت كانت للمنية عروة، وإذا انبسطت فهي للرزية حزام، ما نابها بنوائبه ناب، ولا لعابها في جدّه بالإتيان على الأنفس بلعاب، ذات الألوان كالدنيا تروق وتروع، وذات معاطف كالليالي والأيام منذرة كالفخ للوقوع، قد غدت للخيام أطنابا عرض الأطناب، ونابت عن العمد فيها شرّ مناب، فلو شاهدها أبقراط لم ير أن غيرها للموت من العلل الخبائث ولا الأسباب، كم نضمت الأعين منها بأسود، سالخ، وكم غدا مهري لسمها مهريا من الحريق فهو في كورة على لغة الأعوام نافخ، ومن عجب أنها تمشي على بطنها، ولا تأكل من نهشته بنابها النائب عن سنها، نخترس مفترس، وترى بعينها في الظلام مما لا يجد عليها هدى طرف المقتبس. كم غدت لتعير عقالًا، وكم اعتقل الموت منها للمطاعنة رماحًا طوالا، وأرسل نبالا، هذا والشتاء ما قوض خيامه، ولا ارفض ركامه، ولا أقلع سحاح سحابه ولا جهامه، والجو لم يبحث عنه غمامه المنجاب، وشمسه لم تبرز من بردها إلا بفرو سنجاب، والحشرات إلى الآن محشورة في عطش وبغش ما ظهر دفينها من قره بعد ولا انتبش، فما ظنك بها عندما يلفح الهجير بوجهه، ويقبل القيظ برهجه وهرجه وسرجه، وأخرجت الأرض أثقالها. وأبرزت ضلالها، وأينعت الأذى بوابلها الوبيل بوباها ووبالها، هنالك يتمنطق بهذه الدواهي الأشجار، وتتسور الأغصان، وتتختم القضبان، وذلك يوم كما وصفه البحتري بقوله:

ويوم من الشعرى يذوب لعابه … أفاعيه في رمضائها تتململ

فالإنسان من هذه المنزلة في حبالة صيد، وعجالة كيد، وهي دون المنزلة التي ما رضيها لنفسه ابن دريد شتان هذا والعناق والنوم، والمرقد البارد في ظل الدوم، وبردا قد برد كؤسه، والدوح وقد نوع ملبوسه، ويريد وما يتجاوز مادحه على ما فيه من المحاسن الفاضلة، ولا يريد وقوده وقد أثار دواعي الأشواق إليه، وبعث بعوث التلهف عليه، والغوطة وقد فاخرت بساتينها كل بستان وقالت لمن يجاريها: دونك الشقراء والميدان والمزة وقد جلت برزة برزت بمحاسن خصبها الدائم وما أمحلت، والأغصان وقد اخضر نبات عارضها، ودنانير النوار ودراهم الأزهار قد هيئت لقابضها،

<<  <  ج: ص:  >  >>