للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

منذ زمان، والماسك عليها لا يظفر بأخذ جمان، فأحيا مواتها، وحيا في لحود الدفاتر أمواتها، فأعاد فواتها، وأعاد من الضلال غواتها، بكلام هو السحر، إلا أنه غير المحرم، والبحر إلا أن عنبره أعزُّ وجودا من الحجر المكرم، كان مطبوع الكلام، حلو اللمام، كالأحلام لا يتكلّف له الأسماع، ولا يتخلّف عن تفضيله الإجماع، أسرع إلى غراس الطباع من قبول المرآة للانطباع، وأوصل إلى القلوب من رضى المحبوب، وأذكى في الهبوب من العود المشبوب، أحلى من العسل المسور طعمًا، وأحلى من حديث النسيم المشهور عن نُعمى، كتب عن ملوك مصر ومن حلّ فيها من خلفاء بني العباس بما أنشأ عهودا، وما أنسى عهودا، وله عن المستنصر والحاكم ما هو ألذ من الإغفاء في جفن الحالم، وأسير في الأرض [من] قلب الهائم، والطير الحائم، كتب عن الأئمة من قريش، فكفّ ملمة كل جيش برز به عهد الخلافة نبويًا، كما كان لا يقال لا عهد بمثله من فصاحة المقال، فكان كاتب الديوان العزيز، والمنصوب لرفع قدره على رفقته بالتمييز، مع اطراح نفس، ولباس ظرفي لا يدنس ثوبه بلبس، هذا إلى ما له من لطائف توليد وطائف تخيّل ما جاءت القرائح بعده بوليد، مع رسم خط، كأنه من سوالف الغيد مختط، صدف أن يكون له الدر كالصدف، وتسامى، أن يكون له الزهر أكمامًا. ولقد صدق من قال إنه من حب القلوب والحدق، وما كذب فما وشى من قال إنه من كحل مقلة الرشا، وما أعرف إلا أن لكلامه بالقلب لوطة، كالأنشوطة، لا يلحق بدخلها حتى يغلق عليه مدخلها، ولا تخيلها إلا وتعلق به حبلها، وما حالي وإياه إلا كما قال الأول، وكأنما عناه، وما أصيب بسحره، ولا شم رياه.

فإن كان سحرًا فاعذريني على الهوى … وإن كان داء غيره فلك العذر

خلا إن نظمه كان إذا طول انحط، وتحوّل حتى يقع على غير محط، وما ذاك إلا أنه كان لكثرة ما يتلطف يتهلهل نسج قصائده، وينبتُ سلك فرائده، والحور إذا زاد في العيون صار معيبًا، وأهنأ الوصل ما كان لمامًا أو راقب رقيبًا.


= ٦٢٠ هـ، وتولى كتابة الإنشاء، وألف كتبًا منها «الروضة البهية الزاهرة في خطط المعزية القاهرة، نقل عنه المقريزي في الخطط، ولا تشريف الأيام والعصور في سيرة الملك المنصور، نشره مراد كامل بمصر سنة ١٩٦٠، ولد شعر جمع في «ديوان مخطوط» في الأزهرية. توفي بمصر سنة ٦٩٢ هـ. انظر: عيون التواريخ (٦٨٨ - ٦٩٩ هـ) ص ١٤٠ وأورد له مقطوعات في الغزل، وعبر الذهبي ٢/ ٣٧٦ وفوات الوفيات ١/ ٤٥٠ وأورد له مختارات جيدة من شعره وبغية الوعاة ٢٨٥، حسن المحاضرة ١/ ٥٧٠، تذكرة الحفاظ ٤/ ١٤٧٧، والبداية والنهاية ١٣/ ٣٣٤ وفيه: محيي الدين بن عبد الله وفي ج ١٠ و ١١ من صبح الأعشى كثير من ترسله.

<<  <  ج: ص:  >  >>