للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم إنه وزره على باطن يكنّه له، ليتخذ بالوزارة إليه سبيله، ويتوجه له عليه شبهة يصلب بها وجهه، حتى أخذه تلك الأخذة الفذة.

فأمَّا مَنْ بعده من وزراء المشرق قديمًا وحديثًا فسنبدأ من لدن عبد الملك بن مروان؛ لأنه أول من حكم هذه الأمة قواعد الملك، وعظم عوائد السلطان، إذ لم يستتب الأمر لأحد بعد عثمان بن عفان كما استتب له، إذ كان منه إلى معاوية خبط عشواء، وليل لم يلمع بالأضواء.

فأما معاوية، فإنه وإن كان قد لم الشعث، وأزال الشغب، واستقل بالأعباء، واضطلع بالملك، فانه كان قد تخلق بالمداهنة أيام محاربته عليًا لاستمالة الأهواء إليه، وجع القلوب عليه، فصار له خلفًا، لما سُلَّمَ إليه، وسلم من النازع ثم استمر عليه حتى مضى به زمانه وانقضت عليه أيامه.

وكان عمرو بن العاص أجل ندرًا، وأعظم قدرًا مع أن يجري معه مجرى الوزارة وإن كان له وزرًا وردءًا، إذ كان لا يزال كالممتن عليه، لانحيازه إلى جهة مع مماثلته له في شرفه في قريش، وسابقته في الإسلام ظانًا له لولاه لما نال الملك، ولا قدر على منازعة علي - كرم الله وجهه - في حق الخلافة.

وكان لا يزال حاله معه شبيهًا بحال أبي مسلم الخراساني مع أبي العباس السفاح.

فأما من تقدم معاوية من الخلفاء الراشدين إلى عهد النبوة فأولئك ما وزروا إلا من كانوا تبعًا لرأيهم فيما استشاروا فيه من مفرد الأمر لا في الأمر المطلق، فلهذا بدأنا بالوزراء من لدن عبد الملك.

فمنهم:

[٢] رَوْحُ بن زِنْبَاع (١)

كتب لعبد الملك بن مروان. وكان مجراه في الوزارة مجرى الإعانة لا مجرى الولاية، وكان كأنه أجل الملوك، لمكاتبته من الخلفاء، وكثرة أتباعه، وعظم أشياعه، وعجز السيوف عن يراعه.


(١) روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي، أبو زرعة: أمير فلسطين، وسيد اليمانية في الشام وقائدها وخطيبها وشجاعها. قيل: له صحبة. كان عبد الملك بن مروان يقول: جمع روح طاعة أهل الشام ودهاء أهل العراق وفقه أهل الحجاز. وله مع عبد الملك وغيره أخبار. توفي سنة ٨٤ هـ/ ٧٠٣ م. =

<<  <  ج: ص:  >  >>