النهار بكرة وأصالة له بوردتيه. يطرب قبل الإنشاد، ويحرّك حتى الجماد، وتخرس له أصوات المثاني والمثالث، وما يتنحنح، ويهتز المغاني والأغاني، وما يتزحزح.
نقل مذاهب القدماء كابن المهدي وإسحاق، وجد طوالع تلك الأهلة التي أكلها المحاق. لا يمر به صوت مما ذكره أبو الفرج الأصفهاني إلا ويجيء به ويجيده، ويعيده ويزيده.
وصنف كتابًا يقال له: أحسن ما صنّف لجمع، وشنّف لسمع، وقد خطأ الفارابي في هذا العلم، وأنكر عليه أهل المعرفة، ثم سلموا إليه أنه إنما قاله عن علم.
وابن كرّ هذا من بيت امرأة تناقل سلفه في بغداد إرثها حتى ملكها التتار، فلزم أبوه مصر، فأجري عليه راتب عاد إلى ابنه هذا بعضه، وهو الآن في زاوية قريب المشهد الحسيني بالقاهرة المعزية، أقطعها من وقفه، ووقف أبيه، وله عزة نفس وشمم عفاف، ما اتخذ هذه الصناعة الطربية إلا ريحانًا له لا استرزاقًا به. وله بي صحبة أعرف حقها له، كان يتردد إليّ، ويتودد، ويتفقد ولا ينفقه، ولقد غنى فأضحك، وغنّى فأبكي، وغنّى، فأنام فرأيت بعيني منه ما سمعته أذناي عن الفارابي، فصدق الخَبَرَ الخُبْرُ، وحقق العين الأثر، ورأيت منه واحدًا، سبحان من وهبه ما لا هو في قدرة البشر.
وله أصوات في أشعار لي، فمنها قولي:[من الكامل]
أَفْدِي حَبيبًا قد فُتِنْتُ بحبِّهِ … لو كان يرثي للمُحِبِّ إِذا شَكَا
والله ما هبَّتْ نَسِيمُ دِيارِهِ … إِلا اعْتَلَقْتُ بذيلها مُتَمسكا
يا عينُ أَنتِ شَكِيَّتِي في حُبِّهِ … لمَّا نظرتُ لهُ وأَنتِ المُشْتَكَى