ملوك زمانه، وكان يحسن السفارة عندهم للرعية حتى اتخذوا عمودًا ونقشوا عليه اسمه، وحُسن ما كان يصنعه معهم إلا فرد رجل غاب عن رأيهم في هذا العمود، وعاب أرسطو، وهم بإزالة نقش العمود فأمسك وقتل ثم عمدوا إلى عمود آخر. فزبروه بالبناء عليه كالأول، وذكروا المتعرض المخالف الذي قتل ولعنوه وتبرأوا منه.
قال ابن أبي أصيبعة (١): إن الإسكندر لما ملك صار أرسطو إلى التبتل والتخلي مما كان فيه من الاتصال بالملوك والملازمة لهم، ولزم موضع التعليم وهو رواق المشائين، وأقبل على العناية بمصالح الناس، ورفد الضعفاء وأهل الفاقة، وتزويج الأيامى وعول اليتامى، ورفد طلبة العلم والتأدب مَنْ كانوا، وأي نوع من العلم والأدب طلبوا، والصدقة على الفقراء، ولم يزل في غاية لين الجانب والتواضع وحسن اللقاء للصغير والكبير، والقوي والضعيف. وأما قيامه بأمر أصدقائه فلا يوصف.
وقال المبشر بن فاتك: إن أرسطو لما بلغ ثمان سنين حمله أبوه إلى بلد الحكماء، وضمه أبوه إلى الشعراء والبلغاء والنحويين، فأقام متعلمًا منهم تسع سنين. وكان اسم هذا العلم عندهم «المحيط» أعنى علم اللسان لحاجة جميع الناس إليه؛ لأنه المؤدي لكل حكمة، وبه يتحصل كل علم، ثم بلغه أن قومًا من الحكماء أزروا بعلم البلغاء واللغويين، وعنفوا المتشاغلين به، وزعموا أنه لا تحتاج إليه الحكمة؛ لأن النحويين معلمو الصبيان، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب، والبلغاء أصحاب تمحل ومراء، فأدركته الحفيظة لهم فناضل عنهم، واحتج لهم، وقال: إن فضل الإنسان على البهائم بالنطق، وأحقهم بالأنسية لبلغهم فيه، وإذا كانت الحكمة أشرف الأشياء، فينبغي أن تكون العبارة عنها بأشرف المنطق، لأن العي يذهب بنور الحكمة، ويقطع عن الأداء، ويقصر عن الحاجة، ويُلبس على المستمع، ويفسد المعاني، فيورث الشبهة.
ثم انتقل أرسطو إلى أفلاطون لتعلم العلوم الأخلاقية والسياسية والطبيعية والتعليمية والإلهية، وكان أفلاطون إذا استدعي منه الكلام، يقول: اصبروا حتى يحضر الناس، فإذا جاء أرسطو قال: تكلموا فقد حضر الناس، وربما كان يقول: اصبروا حتى يحضر العقل، فإذا حضر أرسطو، قال: تكلموا فقد حضر العقل.
وقال حنين: كان منقوشًا على خاتم أرسطو: «المنكر لما لا يعلم أعلم من المقرر بما لا يعلم».