للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طلع صباحه فطمى جدوله على الكواكب وطمسها وطمَّ جُرف نهاره المنهار حفر الغياهب ودمسها، وعُرِف فضله بالضرورة، وفعله بالمآثر المبرورة، وعني بمداواة الافهام فأبرأ سقيمها، وأنتج عقيمها، فشفى من لمم، وأسمع من صمم، وحاز بانضواء الاسكندر الذي هو أحد ملوك العالم إليه فخرًا أصبح به نَدُّه يَفْغَم، وضده يُرغم، إذ كان لا تناط لديه إشارته بإهمال، ولا تنال عنده إلا بالتعويل عليه أعمال، وحسب واصفه أن لا يجد غير قائل، ولا يُحد إلا ثلب الناس وهو قائل.

ذكره أبو القاسم بن صاعد وقال: انتهت إليه فلسفة اليونان، وكان خاتم حكمائهم، وسيد علمائهم، وهو أول من خلص البرهان من الصناعات المنطقية، وصَوَّرها بالأشكال الثلاثة، وجعلها آلة العلوم النظرية حتى لقب بصاحب المنطق، وله في جميع العلوم الفلسفية كتب شريفة كلية وجزئية.

قال ابن جلجل (١): كان فيلسوف الروم وعالمها، وجهبذها وتحريرها، وخطيبها وطبيبها، وكان أوحدًا في الطب، وغلب عليه علم الفلسفة.

قال المبشر بن فاتك: كان أرسطو كثير التلاميذ من الملوك وأبناء الملوك وغيرهم، وعَدَّ منهم أناسًا منهم الإسكندر وسماه الاسكندروس.

قال ابن أبي أصيبعة (٢): كان نيقوماخس أبو أرسطوطاليس طبيب فيلبس أبي الإسكندر، وكان كل من أبيه وأمه من ولد قلنينوس، وأخذ أرسطو عن أفلاطون، وكان أرسطو خليفة على دار التعليم. ولما قدم أفلاطون من صقلية انتقل أرسطو إلى لوقيون، واتخذ هناك دار التعليم المنسوبة إلى المشائين ثم رجع إلى مدينة الحكماء، ثم صار إلى مقدونيا يعلّم إلى أن تجاوز الإسكندر بلاد آسيا، ثم استخلف في مقدونيا، فسعى إليه بعض الكهنة في أرسطو ونسبه إلى الكفر لكونه كان لا يعظم الأصنام التي كانت تعبد، فشخص أرسطو إلى بلاده، وبقي بها إلى أن مات وهو ابن ثمانين سنة.

ثم ان أهل أسطا نقلوا بدنه، وصَيَّروه في الموضع المعروف بالأرسطوطاليسي، وصيروا عنده مجتمعهم للمشاورة في جلائل الأمور، وكانوا يرون عنده تفريج أحزانهم، وإذا صعب عليهم شيء من فنون العلم، أتوا إلى مكان قبره فتناظروا ما بينهم فيظهر لهم ما أشكل، وكانوا يرون اجتماعهم عنده يذكي عقولهم، ويصحح فكرهم، وكانوا لا يزالون في أسف لفراقه، وحُزنٍ لما فقدوه من ينابيع حكمته.

وذكر المسعودي أنه في بلرم من صقلية، وكان جليل القدر في الناس، مكرمًا عند


(١) طبقات الأطباء والحكماء ص ٢٥.
(٢) عيون الأنباء ٨٦ - ٨٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>