وانتهت إليه مشيخة دار الحديث بالاستحقاق فوليها، وعرضت له أخواتها فما رضيها وتدارك العلم ولم يبق منه إلا آخر الرمق، وصان المذهب، وما له وجه إلا ظاهر الرهق، وانتاش الطلبة من مراقد الخمول، ومقاعد الونى عن أوائل الحمول، حتى نفضت كواكبهم عن مقلها الكرى، ورفضت سحائبهم إلا مواصلة السرى، إلى أن كثر العلم وطالبه، وعز ذو الفضل وصاحبه، بكرم الله درّه ما أغزره، وجود ما أقل لديه جدا البحر وما أنزره، لو عاصره حاتم، وهو في الكرم، لما ذكر أو كعب بن مامة قد سمح حتى يحص جناحه لما شكر، بندى يُغَصّ به البحر شرقًا، ويتفصد جبين السحاب عرقًا، ويتهيبه البرقُ، فترتعد فرائصه فرقا، ويخشى صوائبه الرعد، فيتعوّذ، ولا تنفعه الرقى.
هذا كله وهو بعض ما في كرم سجاياه، وأقل ما في كثير مزاياه. هذا إلى جبين كالهلال، ووقار عليه سيماء الجلال، وأدب أعذب في المقيل من الماء الزلال، واطيب في المقيل من برد الظلال؛ بنوادر أحر من الحجر، وألعب بالعقول - أستغفر الله من الخمر.
حدا على طريق كسلفه العرب، ما قصرت عن مداه الأوائل، واستجدت من نداه النائل، وطرق علمه منه بمقدار ما أعانه على التفسير الذي أسكت عارضة كل قائل، وغير هذا من انتزاع الميل وإقامة الدلائل.
ثم سرح إلى حيث يسرح الطرف، ويذوب الظرف، ويُلمّ ينادي المتيمين، وينزل بوادي سلف أهل الصبابة المغرمين، ويخالط تلك العصابة في كيسها، ويذكر حديث ليلى وقيسها، لطائف لو أنها لأهل ذلك الزمان السالف، لما قالوا الأسمار إلا في طرائف طرائفها، ولا قالوا في سمرات الحيّ إلا في ظلّ وارفها، ولا زادوا من ربيع ابن أبي ربيعة إلا بعض زخارفها، ولا عدوا جميلًا إلا ما نشر من فضل مطارفها، ولا رجعوا عنها إلى مذهب جرير في أوبة، ولا خيموا عزل الأناشيد بتوبة، كل ذلك بطرف أدب غض الجنى، ليس منه إلا إطراب السامع، وتنويع ما لا إثم فيه، إذا قيل في فضله الجامع. هو والله الجامع الذي لا تضاهي، هي بيوت عبادته المساجد، ولا تساهر مقل قناديلها طرفه الهاجد، ولا تضمّ ضلوع محاربها مثل صدره، ولا يشتمل أحناء عقودها على مثل سره، بسيرة زينها العفاف، فما تعنست صحف أيامها، وأقنعها الكفاف، فما رأت ما زاد عليه إلا من أيامها.
وقد عادت دمشق به معمورة الأندية، مأثورة الأنحية باهرة العلماء، ظاهرة بزينة نجوم السماء، ماضية على منهج القدماء، قاضية على سواها بأن العلم فيها بالحقيقة، وفي غيرها بالأسماء، وها هو اليوم - والله يبقيه - خير من أظلته خضراؤها، وصغرت لدى قدرة الجليل كبراؤها، قد ملك أهواء قلوب أهلها المتنائية، وساق بعصاه، سوائم شُرّدها