للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ولحنوها على من نزل بها فيما هو أدفأ وأكن أبياتا، وأسكن في صدور محافلها من الأسرار، واطلع في أفق جحافها من الأقمار.

بزغ من مطلع الصحابة ونزع به عرقه إلى التابعين لهم بإحسان، وهو مثلهم إن لم يكن منهم، ثم خرج من بيت الوزارة حيث تتعاصر النجوم، وتتناصر ثم تتناصف الخصوم، وتخفض أعناق الغيوم، ويجري رحضاء البرق كأنه محموم، وتحضر أندية الأفق، وسهيل قد نُبذ بالعراء كأنّه ملوم، ويسري هودج النجم وكأنه برسن الجوزاء مزموم، ويباري صدر صدره الليل فيربد حنقًا ولو أُلقي في تياره لما استطاع أن يعوم، وتتطاير زبد شهبه، ويتنفّس سحره كأنه مظلوم، ويظهر على آخر فجره، ثم يخفى كأنه غيظ مكظوم، ويُضاهي مرآه الضوي النهار، وأنّى له ووجه صباحه كأنه من حمرة الشفق ملطوم، ولو بذل ألفًا مثل دينار شمسه، لما بلغ ما يروم.

وبرز في طلب العلم حتى أسكت لسان كل متكلم، وأمات ذكر كل متقدم، وأحيا إمامه الشافعي بنشر مذهبه، ونصر ذي النسب القرشي في عليا رتبته، وقام بالاحتجاج الإمامة ابن المطلب في الائتمام بشريعة سيد بني عبد المطلب، وإقامة الحجة في سبب تقديمه، وحسب ما أحرز في حديثه مضافًا إلى قديمه يحتج لقوليه، ويحيل كنف المُمنَّع من طريقيه، حتى أضحت تسفر له وجوهه سافرة النقب، ظاهرة المحاسن من وراء الحجب، لا ترد الهيم إلا حياضه، ولا تعد المسيم إلا رياضه حتى تفرد والزمان بعدد أهله مشحون، والعصر بمحاسن بنيه مفتون، وساد أهل مصر قاطبة، واستوطنها وضرتها الشام له خاطبة، وكان بها لدين يُقيمه، ويقين يديمه، وتُقى هو وصفه، وعُلًا أراد مطاولته الطود، وما هو يصفه، وقطع بها مدة مقامه في علم ينشره. وحق ينصره، وضال يهديه، وطالب يجديه، وسنة يؤيدها، وبدعة في دكادك الخذلان يُلحدُها، وزيغ يقوم مناده، وزيف يُعجّل انتقاده، وطريقة سلف ما عداها، وحقيقة صلف ما أنكرتها عِدَاها، وفتاوٍ يعتمد عليها فقهاء الآفاق، ويستند إليها علماء مصر والشام والعراق.

وتصانيف هي جادة السبيل، ومادة الدليل، تصدُّ الأضاليل، وتَرُدُّ الأباطيل، وتَرِدُ على العلماء، فغاية المجيد أن يستحضر ما حوته من نقول، أو يمتد إلى أن يعدّ نفسه معه، فلا يزيد على أن يكتب تحت خطه: كذلك أقول.

ثم ولي قضاء الشام فذال عَطَلَه، وأزال خَطَلَه، وأصلح فاسده، ونفق كاسده، وتوقل ذروة منصبه حيث لا يمتطي السنام، ولا يستصلح الأنام، ولا يوجد الموهل واحد في مصر، ولا شامه في الشام، فحكم بسيرة العمرين في الإنصاف، وحكى صورة القمرين في الأوصاف.

<<  <  ج: ص:  >  >>