المسجد، ويجفى صاحبه ﷺ أو تخفيه الأفهام، أو تُذادُ المطي عنه وهي تتراشق إليه كالسهام، ولولاه ﵊ لما عُرف تفضيل ذلك المسجد، ولا تم إلى ذلك المحل تأميل المغير، ولا المنجد، ولولاه لما قدّس الوادي، ولا أُسس على التقوى مسجد في ذلك النادي، وكذلك قبلها شكر الله له قام في لزوم ما انعقد عليه الإجماع، وبعد الظهور بمخالفته على الاطلاع، ومنع في مسألة الطلاق أن يجري في الكفارة مجرى اليمين، وأن تجلى في صورة إن حققت لا تبين، خوفًا على محفوظ الأنساب، ومحظوظ الأحساب، لما كانت تؤدي إليه هذه العظيمة، وتستولي عليه هذه المصيبة العميمة، وصنّف في الردّ في هاتين المسألتين كتابيه، بل جرد سيفه وأرهف ذبابيه، وردّ القِرْنَ وهو ألد خصيم، وشدَّ عليه وهو يشدّ غير هزيم، وقابله وهو الشمس التي تُعشي الأبصار، وقاتله وكم جهد ما يثبت البطل لعلي في يده ذو الفقار (١): [من الكامل]
وما زالت حتى تقصدت الصفاح، وتقصفت الرماح، وتحيفت الكلم الأدلة، وجف القلم حتى لم يبق في فيه بلة، وانجلت غياهب ذلك العثير تبرق فيه صفحات الحق السوي، والحظ السعيد النبوي، والنصر المحمدي إلا أنه بالفتوح العلوي، بجهاد أيد صاحب الشريعة وآزره، وردّ على من سد باب الذريعة، وخذل ناصره، وأمضى يُسابِقُ إليه مرمى طرفه جواد جرى على أعراقه، وجاء على اثر سُبّاقه، من عصابة الأنصار حيث تعرف في الحسب التليد، وتدخر شرف النسب للمواليد، وتصغر عظائم الأخيار، وتُصعّرُ هامة كلّ جبّار، وتنشر ذؤابة يعرب على كتف شرفها، وتركز عصابة المجد المؤثل لسلفها (٢): [من الطويل]
والله أَوْسٌ آخَرُوْنَ وَخَزْرَجُ
لا بل هو والله ممن تشيدت به حصونهم الحصينة، وحميت به أن يدخل الدجال أنقاب المدينة، واستله الفخار من بقايا تلك الأسرة في أكرم ظهورها، وأعظم شموسها المجللة للآفاق بظهورها وأعلى في مراقي الشريعة الشريفة درجا، وأسرى في أرجاء طيبة الطيبة أرجا، وأحوى لعلومها أشتاتا، ولعلوّها في أسانيد العوالي إثباتا،
(١) لأبي ذؤيب انظر: شرح أشعار الهذليين للسكري ٣٨. (٢) شطر بيت لابن الرومي، وصدره: «فيدرك ثأر الله أنصار دينه … ». انظر: ديوانه ٢/ ٤٩٧.