للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وَكَادَتِ الأَنْفُسُ مِمَّا بِهَا … ترهق الأَبْدَانِ مِنَّا تطيح

وَاخْتَلَفَ الرُّفْقَةُ مَاذَا الَّذِي … يَرُدُّ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ يُرِيح

فَقِيلَ: تَعْرِيْسِهُمُ سَاعَةً … وقُلْتُ: بَلْ ذِكْرَاكِ وَهُوَ الصَّحِيْحٌ]

قلت: هكذا فليكن، وإلا فلا أدب الفقهاء، وفي مثل هذا مذهب أهل الحزم أضعاف ذهب السفهاء، هذا الذي لا يقدر عليه من قدر عليه رزقه، وابتسم بسمة أهل الفضل، وهو لا يستحقه.

[ومنه قوله: [من الطويل]

أَتَيْتُكَ وَالآمَالُ تَسْرِي إِلَى مَدَى … بَعِيدٍ أَرَاهُ بِاصْطَنَاعِكَ يَقْرُبُ

وَقَدْ شَنَّعَ الأَعْدَاءُ أَنَّ مَطَالِبِي … تُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِهَا وَهْيَ خُيِّبُ

ومَا تَرَكُوا مِنْ حُجّةٍ أو أَتَوا بِهَا … عَلَى أَنَّنِي مَالِي بِبَحْرِكَ مَشْرَبُ

ووالله لَا صَدَّقْتُ أَنَّكَ تُرْتَجَى … لِدَفْعِ مُلِمٌ حَادِثٍ فَتُخَيِّبُ]

وقوله: [من الوافر]

أَوَدِّعُكُمْ وَأَوْدِعُكُمْ حَيَاتِي … وَأَنْشُرُ دَمْعَتِي نَشْرَ الجُمَانِ

وَقَلْبِيْ لَا يُرِيدُ لَكُمْ فِرَاقًا … وَلَكِنْ هَكَذَا حُلْمُ الزَّمَانِ

ومن نثر القاضي أبي الفتح ما كتبه إلى نوابه في الحكم بالوجه القبلي البحري، عندما فوض إليه قضاء القضاة بالديار المصرية، بعد البسملة:

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (١)؛ صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس السامي، وفقه الله لقبول النصيحة، وآتاه لما يُقرّبه قصدًا صالحًا، ونية صحيحة، أصدرناها إليه: بعد حمد الله الذي ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (٢)، ويُمهل حتى يلتبس الإمهال بالإهمال على المغرور، تذكره بأيام الله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (٣)، وتحذره صفقة من باع آخرته بدنياه، فما أحد سواه مغبون، عسى الله أن يرشده بهذا التذكار وينفعه، وتأخذ هذه النصائح بِحُجْزَتِهِ عن النار؛ فإني أخاف أن يتردّى فيغر من ولاه، والعياذ بالله معه، والموجب لإصدارها ما تلمحناه من الغفلة المستحكمة على القلوب، ومن تقاعد الهمم عن القيام بما يجب للرب على المربوب، ومن أنسهم بهذه الدار وهم يزعجون عنها، وعلمهم بما بين أيديهم من عقبة كؤود، وهم لا يتخففون منها، ولا سيما القضاة الذين تحملوا أعباء الأمانة على كواهل ضعيفة، وظهروا بصورٍ كبار، وهمم نحيفة. ووالله إنَّ الأمر لعظيم، وإن الخطب


(١) سورة التحريم: الآية ٦.
(٢) سورة غافر: الآية ١٩.
(٣) سورة الحج: الآية: ٤٧.

<<  <  ج: ص:  >  >>