لجسيم، ولا أرى أن مع ذلك أمنًا ولا قرارًا، ولا راحة؛ اللهم ألا رجل نبذ الآخرة وراءه، واتخذ إلهه هواه، وقصر همه وهمته على حظ نفسه ودنياه، فغاية مطلبه حب الجاه والرغبة في قلوب الناس، وتحسين الزي، والملبس، والركبة، والمجلس، غير مستشعر خسة حاله، ولا ركاكة مقصده، وهكذا لا كلام معه ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (١) ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢) فاتق الله الذي يراك حين تقوم، واقصر أملك عليه؛ فالمحروم من فضله غير مرحوم، وما أنا وأنتم أيها النفر إلا كما قال حبيب العجمي ﵁ وقد قال له قائل: ليتنا لم نخلق؟!، فقال: قد وقعتم، فاحتالوا، وإن خفي عليك بعض هذا الخطر، وشغلتك الدنيا أن تقضي من معرفته الوطر، فتأمل قوله: القضاة ثلاثة، وقوله ﷺ مشفقًا: لا تَأَمَّرَةٌ على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:[من المتقارب]
هيهات جف القلم، ونفذ أمر الله، فلا راد لما حكم إيه ومن هنالك شم الناس من فم الصديق رائحة الكبد المشوي، وقال الفاروق: ليت أم عمر لم تلده، واستسلم من عثمان، وقال: من أغمد سيفه، فهو حرّ، وقال علي - والخزائن بين يديه مملوءة -: من يشتري منّي سيفي هذا؟، ولو وجدت ما أشتري به رداءً ما بعته، وقطع الخوف نياط قلب عمر بن عبد العزيز، فمات من خشية العرض، وعلّق بعض السلف في بيته سوطًا يؤدب به نفسه إذا فتر. أفترى ذلك سُدًى، أم وضح أنا نحن المقربون، وهم البعداء؟ وهذه أحوال لا تؤخذ من كتاب السلم والإجارة والجنايات، نعم إنما تُنال بالخضوع والخشوع، وبان تظمأ وتجوع، وتحمي عينيك الهجوع، ومما يعينك على الأمر الذي دعوت إليه، ويُزوّدك في مسيرك إلى العرض عليه، أن تجعل لك وقتًا تعمره بالتفكر والتدبّر، فإنّها تجعلها مُعدَّة لجلاء قلبك؛ فإنه إن استحكم صداه، صعب تلافيه، وأعرض عنه من هو أعلم بما فيه، واجعل أكثر همومك الاستعداد للمعاد، والتأهب لجواب الملك الجواد؛ فإنه يقول: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٣) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣) ومهما وجدت من همتك، قصورًا، أو استشعرت من نفسك عما يذللها نفورا، فاجأر إليه، وقف ببابه، واطلب منه؛ فإنه لا يعرض عمَّن صدق، لا يَعْزُب عن علمه خفايا الضمائر ألا يعلم من خلق. هذه نصيحتي إليك، وحجتي بين يدي الله إن
(١) سورة النمل: الآية ٨٠. (٢) سورة فاطر: الآية ٢٢. (٣) سورة الحجر: الآية ٩٢ - ٩٣.