بيوت الأمرة القديمة بالقسطنطينية، وكان قد حضر في جملة الرسل إلى الأبواب العالية وأسلم، وشمله التشريف والإنعام الشريف والإقامة في الخدمة السعيدة السلطانية بمثل هذه الأحوال، وسمعته يبالغ في تعظيم شأن ملوكهم، ويصفهم بحسن الموافاة والمراعاة لمصالح أولياء دولتهم ورعاياهم، وقال: إن عادتهم جارية بأنه من مات من أمراء الروم جرى على أكبر أولاده ما كان يجري على أبيه؛ فإن لم يكن له ولد كان على أكبر أهله، فإن انقرض تصرف الملك فيه برأيه؛ فإن ترك الميت أولادًا لا يقوم بهم ما كان لأبيهم ولا يكفيهم إذا توزع عليهم جرى على الأماثل ما كان لأبيهم ونظر في حال البقية. قال: وعادة هؤلاء الملوك أن لا يعطى ولد أمير رزقًا من جهتهم ما دام أبوه حيًا يرزق بل ارتزاقه مما لأبيه، وإن أراد الملك أن يعطيه شيئًا أعطى لأبيه مقدار ما يريد أن يجعله لابنه، ثم أمره أن يجريه هو على ولده من جهته لا من جهة الملك.
قال: وهم أهل عدل فلا يظلم أحد منهم ولا يستحسن الظلم ولا يفسح فيه ولا يتطلع إلى شيء مما في أيدي الناس من أرباب دولته ورعايا مملكته ولا يعرف هذا عهدهم. قال: وجميع من هو في خدمة ملوك الروم لا حجر عليهم ولا تضييق في الإكرام بحضور خدمة مرتبة ولا أخذ دستور في أمر من الأمور مخلي بين نفسه وما يريد في الركوب والنزول والسفر إلى الصيد والتنزه إلى جهات أملاكهم وإقطاعاتهم بل هو في ذلك كله مع رأيه يسافر متي أراد إلى أي جهة أراد ويغيب ما يقدر له أن يغيب بغير إذن الملك ولا أحد ممن ينوب عنه، وفيهم من يغيب السنة فما فوقها، ولا يقال له لم سافرت ولا كيف أبطأت ولا لأي شيء انقطعت عن الخدمة، ولا يعتب ولا ينكر عليه، ولا للملك عليهم تشديد في أمر إلا في الإلزام بالتوجه إلى حرب أو المؤاخذة بحق.
قال: وأما أهل مملكة الملك فهم منه في أرغد عيش لا يقوّض له بناء ولا يكفأ له إناء. قالوا كلهم: والبطريرك هو الحاكم على الملك؛ لأنه لا معوّل إلا على رأيه ولا يفصل حكم إلا بقضائه، وله رزق عظيم يعدل معدّله دخل إقليم، وإليه أمر الكنيسة العظمى وسائر الكنائس والديارات ويحصل لها في كل سنة أموال جمة طائلة من الوقوف والنذور والقربانات والتحف ومهاداة الملوك والكنود والتجار.
وفيما يزعم الروم أن بلاد مقدونية جميعها وقف على الكنيسة العظمى التي لهم