ولا اقتباس إلا مما تتوقد ناره في كأس أو يقتدح من أقداح ما منهم راكب جواد إلا للذة، ولا صاحب جهاد إلا في فرصة مستلذة، ولا عوال تلعلع أسنتها غير الشمع، ولا عويل إلا مما يتحير في ماقي الغيد من الدمع.
قال بلبان وطوائف الروم لا معرفة لهم بامتطاء البحر، ولا عادة بركوب السفن، وأبعد سيارتهم فيه إلى مواضع النزهة، وإنما هم أصحاب خيل ولا تعد خيالهم في جياد الخيل، وإنما يجلب إليهم كرائمها من بلاد الأتراك من قاطع الخليج، وإنما لهم بغال تباع بغال، ولهم تجمل دبر في الملابس والمراكب والفروش وفي أهلها الجمال البديع والكمال التام، وفي المثل: وجوه الترك وأجسام الروم وظرف العرب.
قال: فأما منابت القسطنطينية فكلها أرض جيدة صالحة للزروع والثمار، ولها نهر متوسط المقدار عليه مساقي زرع وأشجار والأرزاق بها كثيرة الوجود، والرطل القسطنطيني نظير الرطل المصري، وكيل الطعام بها يسمى مدني، وهو حمل جمل يكون اردبين ونصف بالمصري، وبه تباع الغلال الكثيرة؛ فأما القليل منها فيباع بالرطل.
قال: وهذا الملك لا يفارق مجلسه الطرب، ويضرب له بالآلة المعروفة بالأرغل وهي ذات وضع عجيب وألحان غريبة مطربة تأخذ بمجامع القلب.
قلت: وقد رأيت هذا الأرغل بدمشق، ثم بالقاهرة، فقلت: هذا للضارب به.
فقال لي: هذا ارغل صغير يفكك ويحمل وما معه أصوات تسيز له الضرب، والذي يضرب به لملوك الروم والبحر كبير مستقر في مكان لا يزايله وله عدة من أصحاب الأنغام المطربة تسيز له، وله بذاك رونق لا يكون في مثل هذا. وصورة الأرغل خشب مركب وله بكر نحاس وأوتار شريط نحاس وبحر بمثل كور الصائغ، ونغمه شبيه بالآلة التي تسمى القانون.
ثم نعود إلى تتمة الحديث.
قال بلبان والملك لا يمد الطعام إلا بين سماطين من المغاني وأصحاب الملاهي.
وحدثني أقسنقر الرومي أحد أمراء العشرات بالأبواب السلطانية وهو من بعض