للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العربيات وعلى أشكالها ولباسهم الجوخ والصوف والحرير والأطلس والديباج، وسائر أنواع الحرير. قال: وللملك داران معروفتان بدار المملكة الواحدة قديمة من بناء الإسكندر، خارجة في كبد البحر ذات محارات طوال ودهاليز بعيدة نائية، وفي جانبيها تماثيل نحاس على صورة الإنسان، وسائر أنواع الحيوان وفيها صورة فرسان على خيل وحيوانات وأشكال أخر وكلها أكبر من الحيوانات المعروفة بما يزيد زيادة ظاهرة على الأشكال الطبيعية وهي في غاية الصنعة والأحكام بالنقوش العجيبة والتخاطيط الغريبة، ولا يعرف هل عملت لظاهر الزينة أو لباطن من الحكمة وهي دار عظيمة هائلة البناء بعقود منظمة وأفنية رفيعة واسعة رحبة مفروشة بالرخام الأبيض والمجزع والملوّن وضروب من المسنّ الأخضر. قال: والملوك لم يسكنوها منذ أعصر يتشأمون بها، ويقولون إنها مسكونة بمردة الجن وفساق الشياطين، وإن فيهم من يتراءى على مثال أصلة لا تطاق. والدار الأخرى هي التي يسكنها الآن الملوك وتسكن إليها وهي على جلالة مكانها وفخامة قدرها لا تقارب دار الإسكندر ولا تدانيها في الإمكان والتشييد ورونق التأنيق والتنميق.

قال: ولقد كانت ملوك القسطنطينية تراقب ملوك القفجاق وتؤدي إليهم القطيعة حتى تزوج هذا السلطان أزبك خان منهم فأمنهم ووضع عنهم أثقال تلك القطيعة وأصر تلك الأتاوة، وناموا الآن في مهاد الأمن، ورفعت عنهم غمم التكليف.

وقال لي غيره وقد سألته عن عدد جيوش الروم، فقال: هم عدد بلا نفع. قلت: وهذا هو المشهور عندهم في كل زمان ومكان، والمأثور عنهم أنهم وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشيء شيء وإن هان. أقوى اعتدادهم للخمر والخمير وأوفى خبنهم الديباج والحرير، ما فيهم ضارب إلا بجنك (١) أو عود، ولا طاعن إلا بين أعكان ونهود. ولا يشربون دمًا إلا من فم إبريق جريح، ولا يرون قتيلًا إلا من شخص زق طريح، ولا لهم وقائع إلا في ملبقات الصحاف ولا مواقع إلا بين فراش ولحاف. لا يعرفون البيض إلا كل بيض الدمى، ولا السمر إلا كل سمراء اللمي، ولا العجاج إلا من دخان عنبر، ولا أشر السيوف إلا في ثغر شنيب كأنه عقد جوهر ولا مقام إلا في محبس راح ولا اهتمام إلا بمجلس أفراح، ولا التماس إلا لغبوق أو اصطباح (٢)،


(١) جنك: آلة موسيقية، وهي جنك أو صنج. «فرهنك رازي ٥٦٤».
(٢) الغبوق: خمر المساء، والإصطباح: خمر الصباح ويسمى الصبوح.

<<  <  ج: ص:  >  >>