للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

أمره وأمرته، يختال به جواده في أفسح ميدان، ويصبح به مرحًا وفرحًا كأنه نشوان، دري أنه سلطان: [من الطويل]

تظلُّ ملوك الأرض خاشعةً له … تفارقُهُ هَلْكى وتلقاه سُجدا

وخرج أهل قيصرية وأكابرها وعلماؤها وزهادها وتجارها ورعاياها ونساؤها وصغارها، فأكرم السلطان ممشاهم، وشكر مسعاهم، وتلقى قضاتهم وعلماءهم ركبانًا، وحادثهم إنسانًا إنسانًا، وحصلت لجماعة من الفقراء والناس حالات وجد مطربة وصرخات ذكر معجبة، وكان شعار السلطان غياث الدين صاحب الروم وخيامه وشعار سلطتنه قد بقي جميعه في وطأة قريب الجوسق والبستان المعروف بكيخسرو، فترجل الناس على اختلاف طبقاتهم في الركاب الشريف من ملك وأمير ومأمور وارتفعت الأصوات بالتهليل والتكبير، ونزل السلطان في تلك المضارب

وضربت نوبة بني سلجوق على باب دهليزه على العادة، وأذن السلطان للناس في التقرب إلى شريف فسطاطه، وحضر أصحاب الملاهي فما ظفروا بغير النواهي وقيل لهم ﴿ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا﴾ (١) واذهبوا إلى واد غير هذا الوادي فاقتبسوا، وهذه الهنات لا تنفق هنا وما هذا موضع الغناء، بل موضع الغنى.

وشرع السلطان في إنفاق اللهى، وعين في كل جهة شخصًا، وقال: «أنت لها»، وحكم وحكم، وعلم وعلم، واعتمد على الأمير جاليش في النيابة، وأعطى كلا بيمينه كتابه (٢)، وأقام الحجة على من نزح بالاستعطاف، وتأمين من خاف، فلما علم أنهم لا يفلحون، ولغير التتار لا يصلحون، وأنهم إن أصبحوا في الطاعة لا يمسون، وإن أمسوا لا يصبحون، عاد عن تلك الوعود، واختار أن ما بدا إليه يعود، فركب يوم الجمعة سابع عشر ذي القعدة مستقبلًا من الله الخير، ونصب جتر بني سلجوق على رأسه، فرأى الناس منه صاحب القنة والسبع وصاحب تاقبة والطير، ودخل قيصرية في بكرة هذا اليوم وكانت دار السلطنة قد فرشت لنزوله، وتخت بني سلجوق قد هييء لحلوله، وهي منازل تزهو ومنازه من يتعبد ويلهو أنيقة المبتنى، تحف بها بساتين عذبة المجتنى جدرانها بأحسن أصناف القاشاني مصفحة، وباجمل


(١) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿ … قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا … (١٣)﴾ «سورة الحديد: الآية ١٣».
(٢) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)﴾ «سورة الحاقة: الآية ١٩».

<<  <  ج: ص:  >  >>