للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نقوشه مصرحة، فجلس السلطان في مرتبة الملك في أسعد وقت، ونال التخت بحلوله أسعد البخت: [من الطويل]

وما كان هذا التختُ من حين نصبه … لغير المليكِ الظاهر الندب يصلح

مليك على اسم الله ما فتحت له … صوارمه البيض المواضي وتفتح

أتته وفود الروم والكلُّ قائل … رأيناك تعفو عن كثير وتصفح

فأوسعهم حلمًا وجاد لهم ندى … وأمسوا على من وأمن وأصبحوا

وأقبل الناس على السلطان يهنؤونه، وعلى كفّه الشريف يقبلونه، ثم حضرت القضاة والفقهاء والصوفية، وذوو المراتب من أصحاب العمائم على عادة بني سلجوق في كل جمعة، ووقف أمير المحفل، وهو كبير المعدلة عندهم، وله وسامة وفخامة، وله أوسع كم وأكبر عمامة وأخذ في ترتيب المحفل على قدر الأقدار، وانتصب قائمًا بين يدي السلطان منتظرًا ما إليه به يشار، وشرع القراء يقرؤون جميعًا وفرادى بأحسن تلحين وأجمل تحسين ولما فرغوا شرع أمير المحفل صارخًا، وبكور فمه نافخًا، فأنشد وأورد بالفارسية ما يعجب مدلوله، ويهول مقوله، وأطال وما أطاب، واستصوب من يعرف مقالة قوله، والله أعلم بالصواب.

ولما انقضى ذلك مدوا سماطًا ليس يناسب همم الملوك، فأكل الناس منه للشرف لا للسرف، ثم عاد كل إلى مكانه فوقف وقام السلطان إلى مكان الراحة فأقام ساعة أو ساعتين، ثم خرج إلى مخيمه قرير العين، وكان بدار الملك حرم السلجوقية على أبوابهم أسمال ستور حرير ومشايخ خدام يستحق كل منهم أن يدعى بالكبير فجبرهم السلطان وآنسهم وأحسن إليهم وتوجه إلى صلاة الجمعة بقيصرية، وبها سبع جمع تقام فيها خطباء إلا أنهم كالأنعام، فصلينا في جامع السلطان وهو جامع لا يدل على احتفال ملوكها ببيوت عباداتهم، ولا فيه من دلائل الخير ما يقضى بحسن إراداتهم

فحضر أهل المدينة وأكابرها وجلسوا حلقًا لا صفوفًا وأجروا من البحث بالعجمية صنوفًا واجتمعت جماعة من حفاظ الكتاب العزيز، فتخارجوا القراءة آية آية وهي قراءة بعيدة عن الدراية، بل إنها تبرزها أصوات مترنمة وألحان لتفريق الكلمات مقسمة، ينطقون بالحروف كيف اتفقت ولا يتوقفون على مخارج الحروف أنها بها نطقت أو لا نطقت. ولما آن وقت الأذان قام صبي عليه قباء من وسط جماعة عليهم

<<  <  ج: ص:  >  >>