للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

يحسن الإنسان أن يعبر عنها بكيف وما منها إلا ما يجده المسافر رحلة الشتاء والصيف (١)، وفيه الحمام والمرستان (٢) والأدوية والفرش والأواني والضيافة، لكل طارق على قدره، وحمل إلى السلطان لما مر عليه وكثر الناس، قما وصل أحد إليها ولا إليه، وعليه أوقاف عظيمة، وضياع كثيرة حوله وفي غيره من البلاد وله دواوين وكتاب ومباشرون يتولون استخراج أمواله والإنفاق فيه ولم تتعرض التتار إلى إبطال شيء من رسومه، وأبقوه على عوائد تكريمه وأهل الروم يبالغون في تبجيل بانيه وتعظيمه، فنزلنا تلك الليلة قريب قرية قريبة من قيصرية شرقي الجبل المعروف بعسيب (٣)، وفيه قبر امرئ القيس (٤) الشاعر وفيه يقول: [من الطويل]

أجارتنا إن الخطوب تنوب … وإتي مقيم ما أقام عسيب

أجارتنا إنا غريبان ههنا … وكلُّ غريب للغريب نسيب (٥)

وهذا الجبل يعلوه جبل أرجاس، وهو الذي يضرب به الروم الأمثال لتساميه، وتتضاءل الجبال في جميع الدنيا لتعاليه، لا تسحب ذيول السحاب إلا دون سفحه، ولا يعرف شتاؤه من صيفه من ثلوجه، ولا لهيال الأبخرة المتصعدة عشاؤه من صبحه.

فلما كان يوم الأربعاء منتصف ذي القعدة وهو يوم شرف الزهرة، ركبت العساكر المنصورة مترتبة وملأت الفضا متسربة، فركب السلطان في زمرته، وذوي


(١) إشارة إلى الآية الكريمة: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ «سورة قريش: الآيتان ١ - ٢».
(٢) المارستان: دار الشفاء، المستشفى.
(٣) جبل عسيب: جبل قرب دومة الجندل.
(٤) امرؤ القيس بن عانس بن المنذر بن امرئ القيس بن السمط بن عمرو بن معاوية. من كندة: شاعر مخضرم من أهل حضرموت. ولد بها في مدينة تريم وأسلم عند ظهور الإسلام ووصول الدعوى إلى بلاده، ووفد إلى النبي ، ثم لما ارتدت حضرموت ثبت على إسلامه.
وشهد فتح حصن النجير وخباية في شرقي تريم وانتقل في أواخر عمره إلى الكوفة فتوفي بها نحو سنة ٢٥٠ هـ/ نحو ٦٤٥ م. وهو صاحب القصيدة المشهورة التي أولها:
«تطاول ليلك بالإثمد … ونام الخلي ولم ترقد»
وفي الرواة من ينسبها إلى امرئ القيس بن حجر، والصحيح أنها لابن عانس كما حققه العيني. ترجمة في: العيني ١/ ٣٠ - ٣٢ وتاريخ الشعراء الحضرميين ١/ ٤٤ وضوء المشكاة - خ ـ، الاعلام ٢/ ١٢.
(٥) ديوان امرئ القيس، ط دار صادر - بيروت ١٩٥٨ ص ٧٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>