الشمل الشتيت فإذا بالصارخ قد عقر عقيرته بان فوجًا من التتار هنالك في فجوة قد استتروا، وفي نجوة الغرّة قد انتظروا، فركب السلطان والناس في السلاح، وعزموا على المطار، فعاقهم تتابع الغيث، وكيف يطير مبلول الجناح؟! ثم لطف الله وعاد السلطان وهو يقول: لابأس. فنمنا نومة السليم وصارت أفكارنا شاعرة سالمة في كل واد تهيم، وأصبحنا فسلكنا جبالًا لا يحيط بها الوصف، ونبسط عذر الطرف فيها حين يكبو الطرف ننحط منها إلى جنادل تضعف عن الهوي إليها قوى الأجادل، ومررنا على قرية أوزاك وتحتها قناطر وخان من حجر منحوت، ثم خان آخر للسبيل على رأس رابية هناك قريب حصن سمندو الذي عرض أبو الطيب به في قوله (١): [من الوافر]
فإن نقدم فقد زرنا سمندو … وإن نحجم فموعده الخليج
وكان السلطان قد سيّر إليها خواصه بكتاب إلى نائبها، فقبله وقبله، وأذعن بالتسليم لحصنها المنيع والنزول لأمر السلطان عنها إن استنزله، فشكر السلطان له تلك الإجابة، ووفاه من الشكر حسابه، وكذلك إلى قلعة درندة، وإلى قلعة دوالو فكلهم أجابوا وأطاعوا، ولكلمة الاذعان والوا، ونزلنا في وطأة قريب قرية تعرف بحمرها، وكان الناس قد فرغت علوفات خيلهم أو كادت وباتت الخيل ليالي بلا عليق فمالت ومادت وشاركتها خيول الكسوب في عليقها، وما ساعدتها في طروقها ولا طريقها، فصادفنا في هذه الليلة بعض أتبان أمسكت أرماقها وأحسنت ارفاقها، وأصبحنا راحلين في جبال كأنها تلك الأول هابطين في أودية يتمنى سالكها لشدة مضايقها، لو عاد ترقى قنّة الجبل.
ثم أشرفنا على خان هناك يعرف بقرطاي، يدل على شرف همة بانيه، وطلب ثواب الله تعالى فيه وهو من أكبر الأبنية سعةً وارتفاعًا وأحسنها شكلًا وأوضاعًا كله مبني بالحجر المنحوت المصقول الأحمر الذي كأنه رخام، ومن ظاهر أسواره وأركانه نقوش لا يمكن أن يرسم مثلها بالقلم وله خارج بابه مثل الربض ببابين بأسوار حصينة مبلط الأرض فيه حوانيت وأبواب الخان حديد من أحسن ما يكون استعماله وداخله أواوين (٢) صيفية وأمكنة شتوية واصطبلات على هذه الصورة لا
(١) ديوان المتنبي بشرح البرقوقي ١/ ٣٦٢. (٢) أواوين: جمع مفرده إيوان، فضاء مسقوف «فرهنك رازي ٣٨».