وإن سقي من دم القرد خرس وقبح في أعين الناس، وأمّا جلده فيتخذ منه غربال ويغربل به البذار، فإنّ نباته يأمن من الآفات كالجراد وغيره. واللّه أعلم.
[٢٧ - كلب]
حيوان كثير الرياضة، شديد المجاهدة، كثير الوفاء، دائم الجوع والسّهر، يخدم بأدنى مراعاة خدمة كثيرة من الملازمة والحراسة. ودفع اللص.
قال الجاحظ (١): من دهاء الكلب إذا أرسل على الظباء يترك العنز ويتبع التيس؛ وإن كان التيس أشدّ عدوا، وذلك لعلمه أنّ التيس يعتريه البول من الفزع فلا يستطيع الإراقة مع شدة الحضر فيقلّ عدوه لإراقته فيلحقه الكلب، وأمّا المعز فإنّها إذا اعتراها البول من الفزع قذفت به لسعة المخرج فلا يثقل عدوها، وهذا شيء عرف من الكلب مرارا.
قال (٢): ومن عجائبه أنه يخرج يوم الثلج ووجه الأرض مغطّى بالثلج ومعه الصيّاد المجرّب، فلا يعرف موضع الصيد البتّة مع عقله وتجربته، فيذهب يمينا ويسارا حتى يقف على موضع الصيد يستدلّ بالنفس الخارج منها، فيذيب ما والاه من الثلج حتى يرقّ ويخرج منه البخار، وهذا غامض جدا يعرفه الكلب ولا يعرفه الصياد الماهر، وإذا ألحّت السحائب بالثلوج لقي الكلب منها الجهد، فمتى أبصر غيما قد نشأ في السماء نبح عليه لأنه يذكر ما لقي من مثله، حتى يقال في المثل: لا يضرّ السحاب نباح الكلاب، وكذلك قال الفرزدق (٣):
وقد نبح الكلب السحاب ودونها … مهامه تغشي نظرة المتأمّل
وإذا نبح الكلب على إنسان بالليل لم ينجه منه إلاّ أن يقعد، فإنّه إذا رأى منه ذلك تركه كأنه ظفر به وآذاه، وإذا جاء الصيف وقوي الحرّ أصاب الكلب شبه الجنون فيكلب لأنّ مزاجه حارّ يابس، ويزيده الصيف حرارة، ويبوسة، فتغلب عليه الحرارة فيحدث به هذا المرض، فيصير ريقه سمّا قاتلا صعب المداواة، وعلامة ذلك دوام الالتهاب وحمرة العينين وإطراق الرأس واعوجاج الرقبة وجعل الذنب بين فخذيه، وإذا مشى مشى خائفا متذللا مائلا كأنّه سكران كئيبا مغموما ويتعثر في خطوه، وإذا لاح له شبح (٤) عدا إليه حاملا عليه سواء كان شجرا أو حيوانا، ولا تكون حملته مع النباح
(١) الحيوان ٢/ ١١٧. (٢) أي الجاحظ، انظر: الحيوان ٢/ ١١٨. (٣) البيت في الحيوان ٢/ ٧٥. (٤) في الأصل: شيخ، تصحيف.