فهذا عمر ﵁، ويعلى بن منية عامله صاحب رسول الله ﷺ قد عمل في خلافته بتجويز كلا الأمرين: أن يكون البذر من رب الأرض، وأن يكون من العامل.
وقال حرب: حدثنا أبو معن حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن الحارث بن حصيرة الأزدي عن صخر بن الوليد عن عمرو بن صليع بن محارب قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إنَّ فلاناً أخذ أرضاً فعمل فيها وفعل. فدعاه فقال: ما هذه الأرض التي أخذت؟ فقال: أرض أخذتها أكري أنهارها، وأعمرها وأزرعها. فما أخرج الله من شيء فلي النصف وله النصف. فقال: لا بأس بهذا. فظاهره: أنَّ البذر من عنده، ولم ينهه علي عن ذلك ويكفي إطلاق سؤاله وإطلاق علي الجواب.
وأمَّا القياس: فقد قدمنا أن هذه المعاملة نوع من الشركة ليست من الإجارة الخاصة. وإن جعلت إجارة فهي من الإجارة العامة التي تدخل فيها الجعالة والسبق والرمي. وعلى التقديرين: فيجوز أن يكون البذر منهما؛ وذلك أنَّ البذر في المزارعة ليس من الأصول التي ترجع إلى ربها؛ كالثمن في المضاربة؛ بل البذر يتلف كما تتلف المنافع؛ وإنَّما ترجع الأرض أو بدن البقرة والعامل. فلو كان البذر مثل رأس المال لكان الواجب أن يرجع مثله إلى مخرجه ثم يقتسمان الفضل؛ وليس الأمر كذلك بل يشتركان في جميع الزرع. فظهر أنَّ الأصول فيها من أحد الجانبين هي الأرض بمائها وهوائها وبدن العامل والبقر وأكثر الحرث والبذر