الثاني: أنَّ الجاني فيه بمنزلة المفسد الجاني على بساط الملك في داره وحرمه، ومن جنى خارجه، ثم لجأ إليه، فإنَّه بمنزلة من جنى خارج بساط السلطان وحرمه، ثم دخل إلى حرمه مستجيراً.
الثالث: أنَّ الجاني في الحرم قد انتهك حرمة الله سبحانه، وحرمة بيته وحرمه، فهو هاتك لحرمتين بخلاف غيره.
الرابع: أنَّه لو لم يقم الحد على الجناة في الحرم، لعم الفساد، وعظم الشر في حرم الله، فإنَّ أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة نفوسهم، وأموالهم، وأعراضهم، ولو لم يشرع الحد في حق من ارتكب الجرائم في الحرم، لتعطلت حدود الله، وعمَّ الضرر للحرم وأهله.
والخامس: أنَّ اللاجئ إلى الحرم بمنزلة التائب المتنصل اللاجئ إلى بيت الرب تعالى، المتعلق بأستاره، فلا يناسب حاله ولا حال بيته وحرمه أن يهاج، بخلاف المقدم على انتهاك حرمته، فظهر سر الفرق، وتبين أن ما قاله ابن عباس هو محض الفقه.
وأمَّا قولكم: إنَّه حيوان مفسد، فأبيح قتله في الحل والحرم كالكلب العقور، فلا يصح القياس، فإنَّ الكلب العقور طبعه الأذى، فلم يحرمه الحرم ليدفع أذاه عن أهله، وأمَّا الآدمي فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة، وإنَّما أبيح لعارض، فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإنَّ الحرم يعصمها.