فنجيبكم بالجواب المركب، وهو أنَّه إن كان بين النفس وما دونها في ذلك فرق مؤثر، بطل الإلزام، وإن لم يكن بينهما فرق مؤثر، سوينا بينهما في الحكم، وبطل الاعتراض، فتحقق بطلانه على التقديرين.
قالوا: وأمَّا قولكم: إنَّ الحرم لا يعيذ من انتهك فيه الحرمة إذ أتى فيه ما يوجب الحد، فكذلك اللاجئ إليه، فهو جمع بين ما فرق الله ورسوله والصحابة بينهما، فروى الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال:"من سرق أو قتل في الحل ثم دخل الحرم، فإنَّه لا يجالس ولا يكلم، ولا يؤوى، ولكنه يناشد حتى يخرج، فيؤخذ، فيقام عليه الحد، وإن سرق أو قتل في الحرم، أقيم عليه في الحرم". وذكر الأثرم، عن ابن عباس أيضاً: من أحدث حدثاً في الحرم، أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء، وقد أمر الله سبحانه بقتل من قاتل في الحرم، فقال: ﴿وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ، فَإن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُم﴾. والفرق بين اللاجئ والمتهتك فيه من وجوه:
أحدها: أنَّ الجاني فيه هاتك لحرمته بإقدامه على الجناية فيه، بخلاف من جنى خارجه ثم لجأ إليه، فإنَّه معظم لحرمته مستشعر بها بالتجائه إليه، فقياس أحدهما على الآخر باطل.