قال أستاذنا الدكتور محمد حسين الذهبي - في مقام الرد على هؤلاء الأفاكين -: (والحق أن هذا الاتهام بعيد كل البعد عن الحق والصواب)، فابن عباس وغيره من الصحابة - كما قلت آنفا - كانوا يسألون علماء اليهود الذين اعتنقوا الإسلام، ولكن لم يكن سؤالهم عن شيء يتصل بالعقيدة أو بأصل من أصول الدين، أو بفرع من فروعه، وإنما كانوا يسألونهم عن تفاصيل لبعض القصص والأخبار الماضية، ولم يكونوا يقبلون كل ما يروى لهم، على أنه صواب لا يتطرق إليه شك، بل كانوا يحكمون دينهم وعقولهم، في اتفق مع الدين والعقل صدقوه، وما خالف ذلك نبذوه، وما سكت عنه القرآن، ولم يرد فيه نص عن الرسول ﷺ، واحتمل الصدق والكذب توقفوا فيه، ثم كيف يعقل أن يستبيح ابن عباس ﵄ لنفسه أن يحدث عن بني إسرائيل بمثل هذا التوسع والتساهل الذي يجعله مخالفا لأمر الرسول ﷺ، وقد كان من أشد الناس نكيرا على من يفعل ذلك؟ ثم قال ﵀:(وأما ما قاله جولد تسهير من أن ابن عباس كان لا يقتصر في سؤاله لأهل الكتاب على المسائل الإنجيلية أو الإسرائيلية، بل كان يتجاوز ذلك فيسألهم عن التفسير الصحيح لأم القرآن والمرجان، ونحو ذلك من الألفاظ القرآنية، لما كان يراه ويراه غيره من الصحابة من أن هؤلاء اليهود كان عندهم أحسن الفهم - على العموم - في القرآن وفي كلام الرسول - فقول يريد أن يرفع به ذلك اليهودي خسيسة قومه، ولست أرى عليه مسحة حق، ولا أمارة صدق، إذ كيف يعقل أن يكون ابن عباس وهو ترجمان القرآن، ومن دعا له رسول الله ﷺ بقوله: (اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)، ومن كان عنده أدق الفهم الإشارات القرآن، ودقائق معانيه، حتى لقد ظهر في أكثر من مرة في المسائل المعقدة في التفسير بمظهر الرجل الملهم،