وقد جاء في الحديث:(يَعُوذُ عَائِذٌ بِالْبَيْتِ)(١)، في إشارة إلى المهدي الذي يخرج في آخر الزمان، وذلك أن البيت الحرام فيه معاذ للناس وأمن؛ لأنه لا يحل فيه سفك الدماء.
فعلى هذا: لو قال امرؤ لصاحبه أعذني من كذا وكذا وذلك الشيء المستعاذ منه مقدور للمخاطب فلا بأس؛ كأن يلحقه لص أو عدو، فيقول لصاحبه أعذني منه يعني أجرني منه وأدخلني في حمايتك فهذا لا بأس منه.
أما لو استعاذ به على وجه شركي فهذا لا يجوز، ومثال ذلك: ما حدثنا الله تعالى به في سورة الجن قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: ٦]، جاء في سبب نزول الآية أن بعض العرب كَانُوا إِذَا نَزَلُوا الْوَادِي قَالُوا: نَعُوذُ بِسَيِّدِ هَذَا الْوَادِي مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ، فَتَقُولُ الْجِنُّ: مَا نَمْلِكُ لَكُمْ وَلَا لِأَنْفُسِنَا ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٢).
(فزادوهم رهقًا) قال المفسرون: تحتمل أحد معنيين (٣):
إما أن الجن زادوا الإنسَ رهقًا؛ أي: خوفًا، وعنتًا، وذعرًا، باضطرارهم إليهم، وتضعفهم أمامهم، فلم يحصل لهم مرادهم.
وإما أن المراد زاد الإنسُ الجنَّ رهقًا؛ أي: تكبرًا، وتجبرًا.
ولا تنافي بين المعنيين فكلاهما حاصل، فلما استعاذوا بغير الله ﷿
(١) أخرجه مسلم رقم (٢٨٨٢)، من حديث أم سلمة، ﵂، مرفوعاً. (٢) رواه الطبري بسنده عن إبراهيم النخعي، وذكر نحوه عن ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة وغيرهم، ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٣٢٢) (٣) ينظر: تفسير الطبري (٢٣/ ٣٢٤ - ٣٢٦)، تفسير ابن كثير ت سلامة (٨/ ٢٣٩)، تفسير السعدي (ص: ٨٩٠).