الإسلام، كما يدعي العصرانيون بالحرية الفكرية وأن لكل أحد أن ينثر كنانته وينشر غيه وفساده، كلا، بل الواجب على من بسط الله تعالى يده أن يقيم الملة المعوجة، وأن ينشر الحق الذي أنزله الله تعالى، وأن يمنع الباطل وألا يمكن لأهل البدع والفساد والغي من أن يفسدوا المجتمعات.
لكن أهل الإسلام يدعون إلى دين الله ﷿ فإن كان لهم شوكة وسلطان دعوهم إلى الإسلام، فإن اعتنقوه فذاك، وإن أبوا عرضوا عليهم الجزية، فإن بذلوها عن يد وهم صاغرون خُلي بينهم وبين ما يدينون، غير أنهم لا يظهرون شيئًا ينافي أمور الإسلام العامة، فإن أبوا فالسيف؛ هكذا كان النبي ﷺ يصنع مع أعدائه ومخالفيه.
وهذا الأمر يرتبط بحال أهل الإسلام قوةً وضعفًا؛ فإنهم يكونون في بعض الأحوال ممكنين وعندهم قوة وشوكة، وفي بعض الأحيان يلحقهم ضعف فلا يتمكنون من تطبيق ذلك؛ ولهذا كان القول الراجح: أن الآيات النازلة في أمر الجهاد آيات مرحلية، تنزل كل آية على الحال التي يناسبها:
فالمؤمنون قيل لهم في مكة: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]. لأنهم كانوا مستضعفين، لا يستطيعون أن يواجهوا عدوهم.
ولما قال العباس بن عبادة بن نضلة ﵁ للنبي ﷺ: والذي بعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا قال رسول الله ﷺ: (لَمْ أُؤمَرْ بِذَلِكَ)(١).
ثم لما كان لهم نوع منعة في المدينة أُذِن له بقتال من يقاتلونهم،
(١) أخرجه أحمد رقم (١٥٧٩٨) وحسن إسناده شعيب الأرنؤوط في المسند، ط- الرسالة.