للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

فلا بد من تحقق هذه الشروط الثلاثة لجواز السفر إلى بلاد الكفر، وذلك أن أعظم ما ينبغي للإنسان أن يحفظه: دينه؛ لأنه أعظم المقاصد، والأمور نسبية فالنبي أذِن لأصحابه أن يهاجروا من مكة إلى الحبشة مع أن الحبشة في ذلك الوقت ليست دار إسلام؛ لكنهم كانوا في مكة يتعرضون للفتنة في الدين وللأذى البدني والمعنوي حتى كان الحجر يوضع على صدر بلال وينوء به ويقول: أحد أحد، وكان يؤتى بأسياخ الحديد فتوضع على ظهر خباب بن الأرت؛ فلا يطفؤها إلا ماء ظهره، وكان عمار بن ياسر يغمس رأسه في الماء (١)، "فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ، وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ، بِمَكَانِهِ مِنْ اللَّهِ وَمِنْ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ، قَالَ لَهُمْ: لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا" (٢)، فهذا أخف الشرين، فلما بوأ الله تعالى للمؤمنين المدينة فلا يحكم بها إلا بدين الله والآمر الناهي فيها رسول الله ؛ كان لزامًا على كل مؤمن أن يهاجر إلى المدينة رجعوا من الحبشة، أما من قصد بلاد الكفر لأجل السكنى والرفاهية والتوسع في أمور الدنيا والتنعم؛ فهذا قد خاطر بدينه ونفسه وعياله وأقامهم في موضع ينسلخون من دينهم؛ فهذا لا يحل، وقد رأيت بعيني رأسي من المسلمين الذين ابتلوا بالسكنى بين ظهراني الكفار في أوروبا وأمريكا من يبكي بكاءً مرًا وهو يرى ذريته ينسلخون من الدين أمام عينه، ولا يملك عليهم قوامة ولا ولاية؛ لأن الأنظمة المدنية لتلك الدول تمنعه من أن يقوم عليهم أو يأمرهم أو ينهاهم، فما أن تبلغ الفتاة


(١) البداية والنهاية (٣/ ٨٥) ط مكتبة المعارف بيروت.
(٢) سيرة ابن هشام ت السقا (١/ ٣٢١).

<<  <   >  >>