للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

يجعل تأريخًا للمسلمين جمع الصحابة وشاورهم ثم استقر رأيهم على أن يؤرخوا بالهجرة؛ لأن هجرة النبي هي الإيذان بقيام الدولة المسلمة بجميع عناصرها وأركانها، فلم يكن التقويم مبنيًا لا على البعثة ولا على المولد النبوي وإنما كان مبنيًا على هجرة النبي إلى المدينة؛ لعظم ذاك الحدث، وكان، مقدم النبي ، يومًا مشهودًا فرح به المسلمون غاية الفرح.

قوله: (وَالْهِجْرَةُ فَرِيضَةٌ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ): الهجر الترك، والهجرة بالمعنى الخاص هي: الانتقال من مكة إلى المدينة، وهي التي يعلق عليها الفضل العظيم، وهذا النوع من الهجرة انقطع بفتح مكة، وصارت دار إسلام وانقطعت هذه المنقبة، فمن هاجر من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، فهو من المهاجرين؛ فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ يَوْمَ الْفَتْحِ - فَتْحِ مَكَّةَ - «لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» (١)، ومنزلة المهاجرين منزلة علِّية رفيعة، وهي منقبة عظيمة لأهلها، ألا ترون أن الله تعالى إذا ذكر المهاجرين والأنصار؛ قدَّم المهاجرين، قال الله تعالى في سورة الحشر: ﴿لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، ثم ثَنى فقال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]؛ يعني: الأنصار، ثم ثلث فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠] يريد التابعين، وقال في موضع آخر: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وكلا الفريقين على منزلة عظيمة لكن المهاجرين على وجه العموم أفضل من الأنصار، أما الهجرة العامة فلم تنقطع فهي فريضة باقية


(١) أخرجه البخاري رقم (٢٧٨٣)، ومسلم رقم (١٣٥٣).

<<  <   >  >>