ثم إن نبينا ﷺ سار مع الناس حتى أتى قباء ونزل فيها ما شاء الله، ثم بعد ذلك توجه إلى المدينة وصار بطون الأنصار يتلقونه، كل يأخذ بناقته يريد أن ينزل عنده ويرحبون به ويقولون:"هاهنا المنعة" ويرغبونه في النزول عندهم، وكان ﷺ-يقول:(دَعُوهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ)(١)، حتى أتت ناقته إلى موضع مسجده فبركت فلم ينزل عنها ﷺ، ثم قامت فمشت إلى موضع ثم رجعت إلى موضعها الأول فبركت وتحلحلت وألقت بجرانها، فنزل النبي ﷺ وقال:(هذا المنزل إن شاء الله)، فقد أمرت الناقة بتحديد موضع مسجده ﷺ، وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ، لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ:«هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ». ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الغُلَامَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ، لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَا: لَا، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ، وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:" هَذَا الحِمَالُ لَا حِمَالَ خَيْبَرْ، هَذَا أَبَرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَرْ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ، فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ "(٢).
وبقي إبان ذلك في بيت أبي أيوب الأنصاري في تفاصيل معلومة من السيرة (٣).
والهجرة مفرق طريق في تاريخ الإسلام ولهذا عظمها الصحابة رضوان الله عليهم، فلما أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أن
(١) أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٣٥٤٤). (٢) جزء من الحديث الذي تقدم تخريجه قريباً عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام، ﵁. (٣) البداية والنهاية (٣/ ١٨٦)، مكتبة المعارف بيروت.