للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

وأعلفهما وأعدهما لهذه المناسبة؛ فعَنْ عَائِشَةَ ، قَالَتْ: (لَقَلَّ يَوْمٌ كَانَ يَأْتِي عَلَى النَّبِيِّ ، إِلَّا يَأْتِي فِيهِ بَيْتَ أَبِي بَكْرٍ أَحَدَ طَرَفَيِ النَّهَارِ، فَلَمَّا أُذِنَ لَهُ فِي الخُرُوجِ إِلَى المَدِينَةِ، لَمْ يَرُعْنَا إِلَّا وَقَدْ أَتَانَا ظُهْرًا، فَخُبِّرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: مَا جَاءَنَا النَّبِيُّ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا لِأَمْرٍ حَدَثَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: «أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا هُمَا ابْنَتَايَ، يَعْنِي عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ، قَالَ: «أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ». قَالَ: الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الصُّحْبَةَ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ عِنْدِي نَاقَتَيْنِ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ إِحْدَاهُمَا، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» (١).

قَالَتْ: فَوَاَللَّهِ مَا شَعُرْتُ قَطُّ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنْ الْفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي يَوْمئِذٍ" (٢) كيف لا يبكي؟!، وهو سيصحب محمد بن عبد الله ، ويكون له هذا الفخر العظيم إلى يوم القيامة.

وفي قوله «قَدْ أَخَذْتُهَا بِالثَّمَنِ» دليل أنه في أمور الطاعات والقرب ينبغي أن يبذل الإنسان من ماله، وألا يعتمد على أعطيات الآخرين قدر المستطاع، وكذا صنع النبي في بناء المسجد بعد أن هاجر.

والمهم أنهما ركبا هاتين الناقتين وخرجا من الباب الخلفي؛ لأن أعين قريش كانت ترصدهما، وقد شعرت قريش فعلًا أن النبي على وشك الخروج، وأعدت للأمر عدة؛ فاجتمعوا في دار الندوة، وتشاوروا فيما بينهم حتى استقر رأيهم على أن ينتدبوا من كل قبيلة من قبائل قريش


(١) أخرجه البخاري رقم (٢١٣٨).
(٢) سيرة ابن هشام ت السقا (١/ ٤٨٥).

<<  <   >  >>