مَثَلِي وَمَثَلَ مَا بَعَثَنِيَ اللهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ، فَالنَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَدْلَجُوا فَانْطَلَقُوا عَلَى مُهْلَتِهِمْ، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي وَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ " (١)، والنذير العريان عند العرب في الجاهلية: هو الذي يأتي محذرًا للقوم حتى يشق ثيابه ويتعرى؛ ليشعرهم بالجد، وقال ﷺ:«أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ:«فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»(٢) هذا امتثال لأمر الله ﷿ في قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]؛ فقام على الصفا وأنذر عشيرته، وعم وخص: يا معشر قريش، يا عباس بن عبد المطلب، يا صفية عمة رسول الله، يا فاطمة بنت رسول الله؛ فعمَّ وخص؛ كما سبق بيانه.
قوله:(وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ): الدعوة إلى التوحيد بشارة في مقابل النذارة؛ لأن الدعوة إلى التوحيد يحصل بها البشرى والأنس واجتماع القلب والهم على عبادة الله الواحد القهار.
قوله:(وَالْدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٦]): يعني المتدثر بهذه الأغطية التي أردت أن تسكن بها،
(١) أخرجه البخاري رقم (٦٤٨٢)، ومسلم رقم (٢٢٨٣). (٢) أخرجه البخاري رقم (٤٧٧٠)، ومسلم رقم (٢٠٨)، من حديث ابن عباس، ﵄، مرفوعاً.