للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>

قال ابن عاشور: (جرد فعل (قال) هنا، من العاطف لأنه حكاية جواب نوح عن قول الله له: ﴿أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾ [نوح: ١]، عومل معاملة الجواب الذي يتلقى به الأمر على الفور على طريقة المحاورات التي تقدمت في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ في سورة البقرة [٣٠] تنبيها على مبادرة نوح بإبلاغ الرسالة إلى قومه وتمام حرصه في ذلك كما أفاده قوله: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾، وحصول يأسه منهم، فجعل مراجعته ربه بعد مهلة مستفادة من قوله: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ بمنزلة المراجعة في المقام الواحد بين المتحاورين) (١) (٢).

ثم انظر إلى بديع ما جاء في أسلوب الوصل من معان دعوية وتوجيهات بلاغية في السورة نفسها، ذلكم الوصل من قول نوح في قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣)[نوح: ٣]، فقد عطف: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ على: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، وعطف: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ عليه أيضاً.

ولا شك أن العطف هنا سدرة البلاغة ومنتهى الفصاحة، فقد جمع نوح في هذه المتعاطفات الثلاثة الدعوة كلها، فدعا أولاً إلى عبادة الله تعالى، ثم دعا إلى ترك المحرمات وكل ما من شأنه أن يغضب الله تعالى، وهذا هو مقتضى الأمر بالتقوى لأنها تحمل في ثنايا


(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج ٢٩، ص ١٩٣.
(٢) انظر: التوجيهات الدعوية في قضايا علم المعاني في سورة نوح ، خالد الشوحة، ونذير الشرايري، مجلة الدراسات الدعوية، جامعة الإمام محمد بن سعود، (٢٠١٨)، العدد (١١)، الصفحات (٣٦٣ - ٤١٠). ص ٤٠٢.

<<  <   >  >>