وأتركك مع ابن الزبير مجيباً عما يمكن أن يختلج النفس من تغاير التعبير بين الموطنين حيث يقول:(والجواب عن ذلك: أن الآية معطوفة على ما قبلها من آيات هي إخبارٌ عما يلقاه الإنسان المتقدم ذكره من الأهوال والشدائد في المواقف الأخروية وما بين يديها، أولها قوله: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩]، ثم قال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾ [ق: ٢٠ - ٢١]، ثم قال: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (٢٣)﴾ [ق: ٢٣]، فهذه إخبارات عن شدائد، بعضها تلو بعض، فطابق ذلك ورود بعضها معطوفاً على بعض. وأما قوله:(قال قرينه ربنا ما أطغيته) فهو إخبار مبتدأ مستأنف معرف بتبرئ قرينه من جملة ما تأبطه واجترحه، ولا طريق لعطف ذلك على ما قبله، إنما هو استئناف إخبار، فورد كل من الآيتين على ما يجب ويناسب) (١).
فانظر كيف أدى الوصل في الآية رسالته في وعظ الإنسان وتبصيره، وسواء أفسرنا القرين هنا بالسائق الشهيد أو الشيطان الكافر أو حتى بالصديق من الإنس؛ فإن مجرد كلامه في ذلك الموطن وفي ذلك الموقف سيكون أحد الشدائد التي يواجهها، ولن ينفعه إلا عمله الصالح وإيمانه السديد.
ثانيا: في غير المتشابه
وأما في غير المتشابه فانظر إلى بلاغة الفصل بين قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥)﴾ [نوح: ٥]. وما قبلها.