وهذه وصيّة ومنة بتوفر الأجر على شخص اصطفاه للشفاعة له، وعلى أن المأموم تابع في الشفاعة، فلا وجه للحصر والاقتصار على آحاد وأعداد، فإن الكثرة لا تمنع من يريده [للصلاة](١) عليه، وهذا المقام إذا تركه ولم يوص بمن اختاره تولاه من لا يؤثره، ففات الغرض في المختار المتبوع في هذا المقام، وكذلك ينتقل التقدم في الصلاة إلى الأقارب حكماً، ولا ينتقل الائتمام، فدل على الفرق.
فإن قيل: لو كان التعويل على الإشفاق، والنظر لنفسه لوجب إذا اجتمع الولي وهو الأب الذي هو الغاية في الإشفاق، مع الوالي الذي رتبته دون رتبة الأب أن يقدم الولي وهو الأب، ومن شاكله أو قاربه على الوالي، فلمّا قدمتم الوالي على الولي دل على أن صاحب المذهب (٢) ما لحظ في مذهبه ما لحظتم من الإشفاق؛ لأنه لو قدم الوصي على الأب نظراً إلى إشفاق الإنسان على نفسه، وهو أن نظره إلى الوصي، واختياره له دلّ على أنه رأى فيه من الخير، والديانة، وصلاحية الشفاعة ما ليس في أبيه لوجب بهذه الطريقة أن يقدم/ الأب على الوالي؛ لأن الوالد أشفق وأحنى، وشفاعته في ابنه أقرب إلى الإجابة من الوالي، سيَّما والنبي ـ صلَّى الله عليه ـ يقول:«الآباء أنبياء الأبناء»(٣)، فلما قدّم صاحب المذهب الوالي على الولي الأشفق بطل أن يكون بنى [مذهبه](٤) على ما بنيتم من هذه الدلالة، وهي النظر والإشفاق، وإذا بنيتم على دلالة تخالف ظاهر ما نحا إليه صاحب المذهب لم [تقم](٥) بها حجة،
(١) ما بين المعكوفين في الأصل: (الصلاة)، وما أثبته هو الموافق للسياق. (٢) تقديم الوالي على الولي في الصلاة على الميت هو قول الحنفيّة والمالكية والحنابلة وأحد قولي الشافعيّة، والقول الثاني لهم: أن الولي يقدّم على الوالي. [ينظر للحنفيّة: المبسوط ٢/ ٦٢، تبيين الحقائق ١/ ٢٣٨. وللمالكيّة: الإشراف ١/ ١٥١، مواهب الجليل ٢/ ٢٥١. وللشافعيّة: حلية العلماء ٢/ ٣٤٤، روضة الطالبين ٢/ ١٢١. وللحنابلة: الإرشاد ص ١٢٤، الإنصاف ٢/ ٤٧٣، شرح الزركشي ١/ ٣٢٠]. (٣) لم أقف عليه. (٤) ما بين المعكوفين في الأصل: (مذهبن)، وما أثبته هو الموافق للسياق. (٥) ما بين المعكوفين في الأصل: (تقوم)، وما أثبته هو الصحيح لغة.