للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

قلنا: ليس الأمر كذلك، فإن النبي ـ صلَّى الله عليه ـ أقام أبا بكر مقامه في التقدم حال الحياة استخلافاً في ذلك (١)، ولا يصح الاستخلاف منه، ولا الاستنابة في أصل الصلاة، فقد بان أن الحكم في الأصل يخالف حكم الوصف، وكذلك أجمعنا على أن هذا التقدم ينتقل إلى الوليّ حكماً، ونفس الصلاة لا تنتقل.

ونعود إلى الكلام على أصل الاعتراض، فنقول: أما قولكم: إنه لا يملك الصلاة على نفسه حال الحياة؛ فلعمري، لكن يملك الشفاعة لنفسه، والسؤال فيها إلى ربه، فإذا مات انقطع سؤاله وأعماله، فاحتيج إلى من يشفع له، ولذلك أخرنا الأعمال إليه، وكذلك تولى الصلاة عليه أقاربه، وجيرانه، وإخوانه من المسلمين.

وأما قولكم: ينتقل حكماً؛ فإنما ينتقل إذا لم يمنعه إيصاؤه عن الانتقال، فأما إذا نقله بالإيصاء امتنع انتقاله، كالوصية بالثلث، لولا إيصاؤه لانتقل إلى الورثة حكماً، وكذلك الوصية بمال ولده، لولا وصيته لانتقل إلى الجد، أو الحاكم حكماً، وينقطع الانتقال بإيصائه، وأما الحدود فهي الحجة؛ لأنها تنتقل بنص الإمام (٢) فتستتبع جميع حروبات الولايات/ من إقامة حدودكم في دين، وبُضع، ودم، وغير ذلك.

فإن قيل: فتعويلكم على الشفاعة يوجب أن يوصي بصلاة مأمومين يختارهم ـ أيضاً ـ.

قلنا: الإمام مقامه نصبة ينفرد بها، ويمنع غيره من المزاحمة، أو النصبة، فأما الائتمام فلا ينحصر، فإنّ حصر المأمومين إذا كان يمنع بإيصائه نفع غيره من الأجر وهو القيراط، ونفع نفسه من كثرة من يشهد له ويشفع، فتكون وصية بباطل، فلا تنعقد؛ لأنها منع الحق المطلق الذي حثّ عليه الشرع،


(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب من قام إلى جنب الإمام لعلة ١/ ١٣٧، ح ٦٨٣، ومسلم، كتاب الصلاة ١/ ٣١٤، ح ٤١٨/ ٩٧ من حديث عائشة، قالت: أمر رسول الله أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه، فكان يصلي بهم.
(٢) ينظر: الإنصاف ١٠/ ١٥٠، المبدع ٩/ ٤٣.

<<  <   >  >>