للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ألا صلوا في رحالكم (١). فإن تعلقت بذاك على الوجوب، نعلق عليك بهذا النداء على نفي الوجوب، فكيف توجبها مع الأشد من الأعذار، وتسقطها بالأقل، فلم يبق إلا أنه خصّ تلك الحال للغرض الذي استخرجناه وهو إظهار ما يقطع قلوب الكفار من شده الالتحاف به، والاجتماع عليه، وتأكد الطاعة له.

قالوا: ولأنهم لو صلوا فرادى واحداً بعد واحدٍ لفاتت، ولو صلوا فرادى في حالة واحدة لا على وجه الاحتياط والحراسة لألَّب عليهم العدو.

قلنا: إطلاق الأمر يقتضي الوجوب على ما مرَّ، وما ذكروه من التعليل فلا يختص النبي ـ صلَّى الله عليه ـ، بل موجود في كل أمير سرية أو إمام عصر؛ لأنّ كل عصر من الكفار إذا شاهدوا حرص المسلمين على الطاعة كان ذلك مغيظاً لهم، ومؤيساً لهم من العُلو على هذه الملّة، والغلبة لأهلها، مع الحرص الذي يُشاهد من المحافظة على العبادات حتى أوقات الضرورات مع تطاول العهد، وقد بقي الرَّمَل (٢) سنة دائمة/ باقية، كل ذلك ترغيماً للشيطان، كذلك هذا يجوز أن يبقى لما بقي من تعظيم طاعة الرسول ـ صلَّى الله عليه ـ، والتزام قوانينه بعد موته في أشدّ خوف، وأعظم مشقّة، وليس من حيث أسقطتها بعذر من الأعذار تخرج عن الإيجاب، بدليل أن الله ـ تعالى ـ أوجب الثبات في الصّف، وتواعد على المولِّي عنه بالغضب والنار وإن كان ذلك ساقطاً بأيسر عائق من مرض، أو كون قدر على النار، أو خبز في التَّنُّور، أو دابة يخاف ندودها، أو صداع، أو حمى، أو كونه حافياً، وكذلك الجمعة واجبة على الأعيان بما دل عليه الأثر الجمُّ، والوعيد الحتم، ولم يطعن في وجوبها بالأدلة ما قامت عليه الدلالة من سقوطها بالأعذار التي تسقط بمثلها الجماعة من مطر،


(١) أخرجه البخاري، كتاب الأذان، باب الأذان للمسافر، إذا كانوا جماعة والإقامة، وكذلك بعرفة وجمع، وقول المؤذن: الصلاة في الرحال، في الليلة الباردة أو المطيرة ١/ ١٢٩، ح ٦٣٢، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٨٤، ح ٦٩٧ من حديث ابن عمر.
(٢) الرَّمَل، بالتحريك: الهرولة فوق المشي ودون العدو. [ينظر: الصحاح ٤/ ١٧١٣، المحكم والمحيط الأعظم ١٠/ ٢٥٧].

<<  <   >  >>